فصل: تفسير الآيات رقم (1- 13)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ***


سورة الانشقاق

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 15‏]‏

‏{‏إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ‏(‏1‏)‏ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ‏(‏2‏)‏ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ‏(‏3‏)‏ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ‏(‏4‏)‏ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ‏(‏5‏)‏ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ‏(‏6‏)‏ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ‏(‏7‏)‏ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ‏(‏8‏)‏ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ‏(‏9‏)‏ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ‏(‏10‏)‏ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ‏(‏11‏)‏ وَيَصْلَى سَعِيرًا ‏(‏12‏)‏ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ‏(‏13‏)‏ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ‏(‏14‏)‏ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا ‏(‏15‏)‏‏}‏

هذه أوصاف يوم القيامة، و«انشقاق السماء»‏:‏ هو تفطيرها لهول يوم القيامة، كما قال‏:‏ ‏{‏وانشقت السماء فهي يومئذ واهية‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 16‏]‏، وقال الفراء والزجاج وغيره‏:‏ هو تشققها بالغمام، وقال قوم‏:‏ تشققها تفتيحها أبواباً لنزول الملائكة وصعودهم في هول يوم القيامة، وقرأ أبو عمرو‏:‏ «انشقت» يقف على التاء كأنه يشمها شيئاً من الجر، وكذلك في أخواتها، قال أبو حاتم‏:‏ سمعت إعراباً فصيحاً في بلاد قيس بكسر هذه التاءات، وهي لغة، ‏{‏وأذنت‏}‏ معناه‏:‏ استمتعت، وسمعت، أي أمره ونهيه، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن»، ومنه قول الشاعر ‏[‏قعنب بن أم صاحب‏]‏‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به *** وإن ذُكِرْتُ بشرٍّ عندهم أذنوا

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وحقت‏}‏، قال ابن عباس وابن جبير معناه‏:‏ وحق لها أن تسمع وتطيع، ويحتمل أن يريد‏:‏ وحق لها أن تنشق لشدة الهول وخوف الله تعالى، و«مد الأرض»‏:‏ هو إزالة جبالها حتى لا يبقى فيها عوج ولا أمت فذلك مدها، وفي الحديث‏:‏ «إن الله تعالى يمد الأرض يوم القيامة مد الأديم العكاظي» ‏{‏وألقت ما فيها‏}‏‏:‏ يريد الموتى قاله الجمهور، وقال الزجاج‏:‏ ومن الكنوز، وهذا ضعيف لأن ذلك يكون وقت خروج الدجال، وإنما تلقي يوم القيامة الموتى، ‏{‏وتخلت‏}‏ معناه‏:‏ خلت عما كان فيها أي لم تتمسك منهم بشيء، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الإنسان‏}‏ مخاطبة للجنس، و«الكادح»‏:‏ العامل بشدة وسرعة واجتهاد مؤثر، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من سأل وله ما يغنيه حاءت مسألته خدوشاً أو كدوحاً في وجهه يوم القيامة» والمعنى أنك عامل خيراً أو شراً وأنت لا محالة في ذلك سائر إلى ربك، لأن الزمن يطير بعمر الإنسان، فإنما هو مدة عمره في سير حثيث إلى ربه، وهذه آية وعظ وتذكير، أي فكر على حذر من هذه الحال واعمل عملاً صالحاً تجده، وقرأ طلحة‏:‏ بإدغام كاف كادح ومن هذه اللفظة قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

وما الإنسان إلا ذو اغترار *** طوال الدهر يكدح في سفال

وقال قتادة‏:‏ من استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فليفعل، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فملاقيه‏}‏ معناه‏:‏ فملاقي عذابه أو تنعيمه، واختلف النحاة في العامل‏:‏ في ‏{‏إذا‏}‏، فقال بعض النحاة العامل‏:‏ ‏{‏انشقت‏}‏ وأبى ذلك كثير من أئمتهم، لأن ‏{‏إذا‏}‏‏:‏ مضافة إلى ‏{‏انشقت‏}‏ ومن يجز ذلك تضعف عنده الإضافة، وأبى ذلك كثير من أئمتهم، لأن ‏{‏إذا‏}‏ مضافة إلى ‏{‏انشقت‏}‏ ومن يجز ذلك يضعف عنده الإضافة، ويقوى معنى الجزاء، وقال آخرون منهم‏:‏ العامل ‏{‏فملاقيه‏}‏، وقال بعض حذاقهم‏:‏ العامل فعل مضمر، وكذلك اختلفوا في جواب ‏{‏إذا‏}‏، فقال كثير من النحاة‏:‏ هو محذوف لعلم السامع به، وقال أبو العباس المبرد والأخفش‏:‏ هو في قوله‏:‏ ‏{‏يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه‏}‏، إذا انشقت السماء، انشقت فأنت ملاقي الله، وقيل التقدير في أيها الإنسان، وجواب ‏{‏إذا‏}‏ في الفاء المقدرة، وقال الفراء عن بعض النحاة‏:‏ هو ‏{‏أذنت‏}‏ على زيادة تقدير الواو، وأما الضمير ‏{‏فملاقيه‏}‏، فقال جمهور المتأولين هو عائد على الرب، فالفاء على هذا عاطفة ملاق على كادح، وقال بعض الناس‏:‏ هو عائد على الكدح، فالفاء على هذا عاطفة جملة على التي قبلها، والتقدير فأنت ملاقيه، والمعنى ملاقي جزائه خيراً كان أو شراً، ثم قسم تعالى الناس إلى‏:‏ المؤمن والكافر، فالمؤمنون يعطون كتبهم بأيمانهم ومن ينفذ عليه الوعيد من عصاتهم فإنه يعطى كتابه عند خروجه من النار، وقد جوز قوم أن يعطاه أولاً قبل دخوله النار، وهذه الآية ترد على هذا القول، و«الحساب اليسير»‏:‏ هو العرض‏:‏ وأما من نوقش الحساب، فإنه يهلك ويعذب، وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

«من حوسب عذب» فقالت عائشة‏:‏ ألم يقل الله ‏{‏فسوف يحاسب حساباً يسيراً‏}‏ الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إنا ذلك العرض، وأما من نوقش الحساب فيهلك» وفي الحديث من طريق ابن عمر‏:‏ «إن الله تعالى يدني العبد حتى يضع عليه كنفه، فيقول‏:‏ ألم أفعل بك كذا وكذا يعدد عليه نعمه ثم يقول له‏:‏ فلم فعلت كذا وكذا لمعاصيه، فيقف العبد حزيناً فيقول الله تعالى‏:‏ سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم» وقالت عائشة‏:‏ سمعت رسول النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ «اللهم حاسبني حساباً يسيراً» قلت يا رسول الله، وما هو‏؟‏ فقال‏:‏ «أن يتجاوز عن السيئات» وروي عن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «من حاسب نفسه في الدنيا، هون الله تعالى حسابه يوم القيامة»، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلى أهله‏}‏ أي الذين أعد الله له في الجنة، إما من نساء الدنيا، وإما من الحور العين وإما من الجميع، والكافر يؤتى كتابه من ورائه لأن يديه مغلولتان، وروي أن يده تدخل من صدره حتى تخرج من وراء ظهره، فيأخذ كتابه بها، ويقال إن هاتين الآيتين نزلتا في أبي سلمة بن عبد الأسد، وكان أبو سلمة من أفضل المؤمنين، وأخوه من عتاة الكافرين، ‏{‏ويدعو ثبوراً‏}‏ معناه‏:‏ يصيح منتحباً، واثبوراه، واخزياه، ونحو هذا مما معناه‏:‏ هذا وقتك، وزمانك أي احضرني، والثبور، اسم جامع للمكاره كالويل، وقرأ ابن كثير ونافع، وابن عامر والكسائي والحسن وعمر بن عبد العزيز والجحدري وأبو السناء والأعرج‏:‏ «ويُصلّى» بشد اللام وضم الياء على المبالغة، وقرأ نافع أيضاً وعاصم وأبو عمرو وحمزة وأبو جعفر وقتادة وعيسى وطلحة والأعمش‏:‏ بفتح الياء على بناء الفعل للفاعل، وفي مصحف ابن مسعود‏:‏ «وسيصلى»، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏في أهله‏}‏ يريد في الدنيا أي تملكه ذلك لا يدري إلا السرور بأهله دون معرفة الله والمؤمن إن سر بأهله لا حرج عليه، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنه ظن أن لن يحور‏}‏، معناه‏:‏ لن يرجع إلى الله تعالى مبعوثاً محشوراً، قال ابن عباس‏:‏ لم أعلم ما معنى ‏{‏ويحور‏}‏، حتى سمعت أعرابية تقول لبنية لها‏:‏ حوري، أي ارجعي، والظن هنا على بابه، و‏{‏أن‏}‏ وما بعدها تسد مسد مفعولي ظن وهي ‏{‏أن‏}‏ المخففة من الثقيلة، والحور‏:‏ الرجوع على الأدراج، ومنه‏:‏ اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور‏.‏ ثم رد تعالى على ظن هذا الكافر بقوله‏:‏ ‏{‏بلى‏}‏، أي يحور ويرجع، ثم أعلمهم أن الله تعالى لم يزل ‏{‏بصيراً‏}‏ بهم لا تخفى عليه أفعال أحد منهم، وفي هذا وعيد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏16- 25‏]‏

‏{‏فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ ‏(‏16‏)‏ وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ ‏(‏17‏)‏ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ ‏(‏18‏)‏ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ‏(‏19‏)‏ فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏20‏)‏ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآَنُ لَا يَسْجُدُونَ ‏(‏21‏)‏ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ‏(‏22‏)‏ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ ‏(‏23‏)‏ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ‏(‏24‏)‏ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ‏(‏25‏)‏‏}‏

«لا» زائدة، والتقدير فأقسم، وقيل‏:‏ «لا» راد على أقوال الكفار وابتداء القول ‏{‏أقسم‏}‏، وقسم الله تعالى بمخلوقاته هو على جهة التشريف لها، وتعريضها للعبرة، إذ القسم بها منبه منها و‏{‏الشفق‏}‏، الحمرة التي تعقب غيبوبة الشمس مع البياض التابع لها في الأغلب، وقيل ‏{‏الشفق‏}‏ هنا النهار كله قاله مجاهد، وهذا قول ضعيف، وقال أبو هريرة وعمر بن عبد العزيز‏:‏ ‏{‏الشفق‏}‏‏:‏ البياض الذي تتلوه الحمرة، و‏{‏وسق‏}‏‏:‏ معناه جمع وضم، ومنه الوسق أي الأصوع المجموعة، والليل يسق الحيوان جملة أي يجمعها في نفسه ويضمها، وكذلك جميع المخلوقات التي في أرض والهواء من البحار والجبال والرياح وغير ذلك، و«اتساق القمر»‏:‏ كماله وتمامه بدراً، فالمعنى امتلأ من النور، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وابن عباس وعمر بخلاف عنهما، وأبو جعفر والحسن والأعمش وقتادة وابن جبير‏:‏ «لتركبُن» بضم الباء على مخاطبة الناس، والمعنى «لتركبن» الشدائد‏:‏ الموت والبعث والحساب حالاً بعد حال أو تكون من النطفة إلى الهرم كما تقول طبقة بعد طبقة و‏{‏عن‏}‏ تجيء في معنى بعد كما يقال‏:‏ ورث المجد كابراً عن كابر وقيل المعنى «لتركبن» هذه الأحوال أمة بعد أمة، ومنه قول العباس بن عبد المطلب عن النبي عليه السلام‏:‏

وأنت لما بعثت أشرقت الأ *** رض وضاءت بنورك الطرق

تنقل من صالب إلى رحم *** إذا مضى علم بدا طبق

أي قرن من الناس لأنه طبق الأرض، وقال الأقرع بن حابس‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

إني امرؤ قد حلبت الدهر أشطره *** وساقني طبق منه إلى طبق

أي حال بعد حال، وقيل المعنى‏:‏ «لتركبن» الآخرة بعد الأولى، وقرأ عمر بن الخطاب أيضاً‏:‏ «ليركبن» على أنهم غيب، والمعنى على نحو ما تقدم، وقال ابو عبيدة ومكحول‏:‏ المعنى «لتركبن» سنن من قبلكم‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ كما جاء في الحديث‏:‏ «شبراً بشبر، وذراعاً بذراع»، فهذا هو ‏{‏طبق عن طبق‏}‏، ويلتئم هذا المعنى مع هذه القراءة التي ذكرنا عن عمر بن الخطاب، ويحسن مع القراءة الأولى، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وعمرو بن مسعود ومجاهد والأسود ومجاهد والأسود وابن جبير ومسروق والشعبي وأبو العالية وابن وثاب وعيسى‏:‏ «لتركبَن»، بفتح الباء على معنى‏:‏ أنت يا محمد، وقيل المعنى‏:‏ حال بعد حال من معالجة الكفار، وقال ابن عباس المعنى‏:‏ سماء بعد سماء في الإسراء، وقيل هي عدة بالنصر، أي «لتركَبن» العرب قبيلاً بعد قبيل، وفتحاً بعد فتح كما كان ووجد بعد ذلك، قال ابن مسعود‏:‏ المعنى‏:‏ «لتبركبَن» السماء في أهوال القيامة، حالاً بعد حال تكون كالمهل وكالدهان وتتفطر وتتشقق، فالسماء هي الفاعلة، وقرأ ابن عباس أيضاً وعمر رضي الله عنهما‏:‏ «ليركبن» بالياء على ذكر الغائب، فإما أن يراد محمد صلى الله عليه وسلم على المعاني التمقدمة، وقاله ابن عباس يعني‏:‏ نبيكم صلى الله عليه وسلم، وإما ما قال الناس في كتاب النقاش من أن المراد‏:‏ القمر، لأنه يتغير أحوالاً من سرار واستهلال وإبدار، ثم وقف تعالى نبيه، والمراد أولئك الكفار بقوله‏:‏ ‏{‏فما لهم لا يؤمنون‏}‏، أي من حجتهم مع هذه البراهين الساطعة، وقرأ الجمهور‏:‏ «يُكذّبون» بضم الياء وشد الذال، وقرأ الضحاك‏:‏ بفتح الباء وتخفيف الذال وإسكان الكاف، و‏{‏يوعون‏}‏ معناه‏:‏ يجمعون من الأعمال والتكذيب والكفر، كأنهم يجعلونها في أوعية، تقول‏:‏ وعيت العلم وأوعيت المتاع، وجعل البشارة في العذاب لما صرح له، وإذا جاءت مطلقة، فإنما هي من الخبر، ثم استثنى تعالى من كفار قريش القوم الذين كان سبق لهم الإيمان في قضائه، و‏{‏ممنون‏}‏ معناه‏:‏ مقطوع من قولهم‏:‏ حبل منين أي مقطوع، ومنه قول الحارث بن حلّزة اليشكري‏:‏ ‏[‏الخفيف‏]‏

فترى خلفهن من شدة الرجع *** منيناً كأنني أهباء

يريد غباراً متقطعاً، وقال ابن عباس‏:‏ ‏{‏ممنون‏}‏ بمعنى‏:‏ معدود عليهم محسوب منغص بالمن‏.‏

سورة البروج

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 9‏]‏

‏{‏وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ‏(‏1‏)‏ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ‏(‏2‏)‏ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ‏(‏3‏)‏ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ‏(‏4‏)‏ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ‏(‏5‏)‏ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ‏(‏6‏)‏ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ‏(‏7‏)‏ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ‏(‏8‏)‏ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ‏(‏9‏)‏‏}‏

اختلف الناس في ‏{‏البروج‏}‏، فقال الضحاك وقتادة‏:‏ هي القصور، ومنه قول الأخطل‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

كأنها برج رومي يشيّده *** لز بجص وآجر وأحجار

وقال ابن عباس‏:‏ ‏{‏البروج‏}‏‏:‏ النجوم، لأنها تتبرج بنورها، والتبرج‏:‏ التظاهر والتبدي، وقال الجمهور وابن عباس أيضاً‏:‏ ‏{‏البروج‏}‏ هي المنازل التي عرفتها العرب وهي اثنا عشر على ما قسمته العرب وهي التي تقطعها الشمس في سنة، والقمر في ثمانية وعشرين يوماً، وقال قتادة معناه‏:‏ ذات الرمل، والسماء يريد أنها مبنية في السماء، وهذا قول ضعيف، ‏{‏واليوم الموعود‏}‏ هو يوم القيامة باتفاق، قاله النبي صلى الله عليه وسلم، ومعناه‏:‏ الموعود به، وقوله‏:‏ ‏{‏ومشهود‏}‏، معناه‏:‏ عليه أو له أو فيه، وهذا يترتب بحسب الحساب في تعيين المراد ب «شاهد ومشاهد»، فقد اختلف الناس في المشار إليه بهما فقال ابن عباس‏:‏ الشاهد الله تعالى، والمشهود يوم القيامة، وقال ابن عباس والحسن بن علي وعكرمة‏:‏ الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم، والمشهود يوم القيامة، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏إنا أرسلناك شاهداً‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 45، الفتح‏:‏ 8‏]‏، وقال في يوم القيامة ‏{‏وذلك يوم مشهود‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 103‏]‏، وقال مجاهد وعكرمة أيضاً‏:‏ الشاهد آدم وجميع ذريته، والمشهود يوم القيامة، ف ‏{‏شاهد‏}‏ اسم جنس على هذا، وقال بعض من بسط قول مجاهد وعكرمة‏:‏ ‏{‏شاهد‏}‏ أراد به رجل مفرد أو نسمة من النسم، ففي هذا تذكير بحقارة المسكين ابن آدم، والمشهود يوم القيامة، وقال الحسن بن أبي الحسن وابن عباس أيضاً‏:‏ الشاهد يوم عرفة، ويوم الجمعة، والمشهود يوم القيامة، وقال ابن عباس وعلي وأبو هريرة والحسن وابن المسيب وقتادة‏:‏ ‏{‏شاهد‏}‏ يوم الجمعة، ‏{‏ومشهود‏}‏ يوم عرفة، وقال ابن عمر‏:‏ ‏{‏شاهد‏}‏ يوم الجمعة، ‏{‏ومشهود‏}‏ يوم النحر، وقال جابر‏:‏ ‏{‏شاهد‏}‏ يوم الجمعة، ‏{‏ومشهود‏}‏ الناس، وقال محمد بن كعب‏:‏ الشاهد أنت يا ابن آدم، والمشهود الله تعالى، وقال ابن جبير بالعكس، وتلا‏:‏ ‏{‏وكفى بالله شهيداً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 79-166، الفتح‏:‏ 28‏]‏، وقال أبو مالك‏:‏ الشاهد عيسى، والمشهود أمته، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وكنت عليهم شهيداً‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 117‏]‏ قال ابن المسيب‏:‏ ‏{‏شاهداً‏}‏ يوم التروية، ‏{‏ومشهود‏}‏ يوم عرفة، وقال بعض الناس في كتاب النقاش‏:‏ الشاهد يوم الأثنين والمشهود يوم الجمعة، وذكره الثعلبي، وقال علي بن أبي طالب‏:‏ الشاهد يوم عرفة، والمشهود يوم النحر، وعنه أيضاً‏:‏ ‏{‏شاهد‏}‏ يوم القيامة ‏{‏ومشهود‏}‏ يوم عرفة‏.‏ وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏شاهد‏}‏ يوم الجمعة ‏{‏ومشهود‏}‏ يوم عرفة‏.‏ قاله علي وأبو هريرة والحسن، وقال إبراهيم النخعي‏:‏ الشاهد يوم الأضحى والمشهود يوم عرفة‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ووصف هذه الأيام ب ‏{‏شاهد‏}‏ لأنها تشهد لحاضريها بالأعمال، والمشهود فيما مضى من الأقوال بمعنى المشاهد بفتح الهاء، وقال الترمذي‏:‏ الشاهد الملائكة الحفظة، والمشهود عليهم الناس، وقال عبد العزيز بن يحيى عند الثعلبي‏:‏ الشاهد محمد، والمشهود عليهم أمته نحو قوله تعالى‏:‏

‏{‏وجئنا بك على هؤلاء شهيداً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 41‏]‏ أي شاهداً، قال‏:‏ الشاهد الأنبياء‏:‏ والمشهود عليهم أممهم، وقال الحسن بن الفضل‏:‏ الشاهد أمة محمد، والمشهود عليهم قوم نوح، وسائر الأمم حسب الحديث المقصود في ذلك، وقال ابن جبير أيضاً‏:‏ الشاهد، الجوراح التي تنطق يوم القيامة فتشهد على أصحابها، والمشهود عليهم أصحابها، وقال بعض العلماء‏:‏ الشاهد الملائكة المتعاقبون في الأمة، والمشهود قرآن الفجر، وتفسيره قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏إن قرآن الفجر كان مشهوداً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 87‏]‏ وقال بعض العلماء‏:‏ الشاهد، النجم، والمشهود عليه الليل والنهار، أي يشهد النجم بإقبال هذا وتمام هذا، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «حتى يطلع الشاهد، والشاهد النجم»، وقال بعض العلماء‏:‏ الشاهد الله تعالى والملائكة وأولو العلم، والمشهود به الوحدانية وأن الدين عند الله الإسلام، وقيل الشاهد‏:‏ مخلوقات الله تعالى، والمشهود به وحدانيته، وأنشد الثعلبي في هذا المعنى قول الشاعر ‏[‏أبو العتاهية‏]‏‏:‏ ‏[‏المتقارب‏]‏

وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه الواحد

وقيل المعنى‏:‏ فعل الله بهم ذلك لأنهم أهل له، فهو على جهة الدعاء بحسب البشر، لا أن الله يدعو على أحد، وقيل عن ابن عباس معناه‏:‏ لعن، وهذا تفسير بالمعنى، وقيل هو إخبار بأن النار قتلتهم، قاله الربيع بن أنس، وسيأتي بيانه، واختلف الناس في ‏{‏أصحاب الأخدود‏}‏، فقيل‏:‏ هو قوم كانوا على دين كان لهم ملك فزنى بأخته، ثم حمله بعض نسائه على أن يسن في الناس نكاح البنات والأخوات، فحمل الناس على ذلك فأطاعه كثير وعصيته فرقة فخَدَّ لهم أخاديد، وهي حفائر طويلة كالخنادق، وأضرم لهم ناراً وطرحهم فيها، ثم استمرت المجوسية في مطيعيه، وقال علي بن أبي طالب‏:‏ ‏{‏الأخدود‏}‏، وملك حمير، كان بمزارع من اليمن، اقتتل هو والكفار مع المؤمنين، ثم غلب في آخر الأمر فحرقهم على دينهم إذا أبوا دينه، وفيهم كانت المرأة ذات الطفل التي تلكأت، فقال لها الطفل‏:‏ امضي في النار فإنك على الحق، وحكى النقاش عن علي رضي الله عنه، أن نبيّ ‏{‏أصحاب الأخدود‏}‏ كان حبشياً، وأن الحبشة بقية ‏{‏أصحاب الأخدود‏}‏ وقيل‏:‏ ‏{‏أصحاب الأخدود‏}‏ ذو نواس في قصة عبد الله بن التامر التي وقعت في السير، وقيل‏:‏ كان ‏{‏أصحاب الأخدود‏}‏ في بني إسرائيل‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ورأيت في بعض الكتب أن ‏{‏أصحاب الأخدود‏}‏ هو محرق وآله الذي حرق من بني تميم المائة، ويعترض هذا القول بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود‏}‏، فينفصل عن هذا الاعتراض بأن هذا الكلام من قصة ‏{‏أصحاب الأخدود‏}‏، وأن المراد بقوله‏:‏ ‏{‏وهم‏}‏ قريش الذين كانوا يفتنون المؤمنين والمؤمنات، واختلف الناس في جواب القسم، فقال بعض النحاة‏:‏ هو محذوف لعلم السامع به، وقال آخرون‏:‏ هو في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قتل‏}‏، والتقدير لقتل، وقال قتادة‏:‏ هو في قوله‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏10- 16‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ‏(‏10‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ‏(‏11‏)‏ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ‏(‏12‏)‏ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ‏(‏13‏)‏ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ‏(‏14‏)‏ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ‏(‏15‏)‏ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ‏(‏16‏)‏‏}‏

‏{‏فتنوا‏}‏ معناه‏:‏ أحرقوا، وفتنت الذهب والفضة في النار أحرقتهما، والفتين حجارة الحرة السود لأن الشمس كأنها أحرقتها، ومن قال إن هذه الآيات الأواخر في قريش جعل الفتنة الامتحان والتعذيب، ويقوي هذا التأويل بعض التقوية قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم لم يتوبوا‏}‏ لأن هذا اللفظ في قريش أحكم منه في أولئك الذين قد علم أنهم ماتوا على كفرهم، وأما قريش فكان فيهم وقت نزول الآية من تاب بعد ذلك وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، و‏{‏جهنم‏}‏ و‏{‏الحرق‏}‏ طبقتان من النار، ومن قال إن النار خرجت وأحرقت الكافرين القعود، جعل ‏{‏الحريق‏}‏ في الدنيا، و«البطش»‏:‏ الأخذ بقوة وشرعة، و‏{‏يبدئ ويعيد‏}‏، قال الضحاك وابن زيد معناه‏:‏ ‏{‏يبدئ‏}‏ الخلق بالإنشاء ‏{‏ويعيد‏}‏ بالحشر، وقال ابن عباس ما معناه‏:‏ إن ذلك عام في جميع الأشياء، فهي عبارة عن أنه يفعل كل شيء إنه ‏{‏يبدئ ويعيد‏}‏ كلما ينعاد، وهذان قسمان مستوفيان جميع الأشياء، وقال الطبري معناه‏:‏ ‏{‏يبدئ‏}‏ العذاب، ويعيده على الكفار، و‏{‏الغفور الودود‏}‏ صفتا فعل، الأولى ستر على عباده، والثانية لطف بهم وإحسان إليهم، وخصص ‏{‏العرش‏}‏ بإضافة نفسه إليه تشريفاً، وتنبيهاً على أنه أعظم المخلوقات، وقرأ حمزة والكسائي والمفضل عن عاصم والحسن وابن وثاب والأعمش وعمرو بن عبيد‏:‏ «المجيد» بخفض الدال صفة للعرش، وهذا على أن المجد والتمجيد قد يوسف به كثير من الجمادات، وقد قالوا مجدت الدابة إذا سمنت، وأمجدتها إذا أحسنت علفها، وقالوا‏:‏ في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار‏:‏ كثرت نارهما، وقرأ الباقون والجمهور‏:‏ «ذو العرش»، وروى ابن عباس‏:‏ «ذي العرش» نعتاً لقوله ‏{‏إن بطش ربك‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 22‏]‏

‏{‏هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ‏(‏17‏)‏ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ‏(‏18‏)‏ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ‏(‏19‏)‏ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ‏(‏20‏)‏ بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ ‏(‏21‏)‏ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ‏(‏22‏)‏‏}‏

هذا توقيف للنبي صلى الله عليه وسلم وتقرير بمعنى‏:‏ لجعل هؤلاء الكفرة الذين يخالفونك وراء ظهرك ولا تهتم بهم، فقد انتقم الله من أولئك الأقوياء الشداد، فيكف هؤلاء و‏{‏الجنود‏}‏ الجموع المعدة للقتال، والجري نحو غرض واحد، وناب ‏{‏فرعون‏}‏ في الذكر مناب قومه وآله، إذ كان رأسهم و‏{‏فرعون وثمود‏}‏ في موضع حفض على البدل من ‏{‏الجنود‏}‏، ثم ترك القول بحالة، وأضرب عنه إلى الإخبار بأن هؤلاء الكفار بمحمد عليه السلام وشرعه لا حجة لهم عليه ولا برهان بل هو تكذيب مجرد سببه الحسد، ثم توعدهم بقوله‏:‏ ‏{‏والله من ورائهم محيط‏}‏، أي وعذاب الله ونقمته، وقوله‏:‏ ‏{‏من ورائهم‏}‏، معناه‏:‏ ما يأتي بعد كفرهم وعصيانهم، ثم أعرض عن تكذيبهم مبطلاً له ورداً عليه، أنه ‏{‏قرآن مجيد‏}‏ أي مذمة فيه، وهذا مما تقدم من وصف الله تعالى بالمجد والتمجد، وقرأ ابن السميفع اليماني «قرآنُ مجيدٍ» على الإضافة، وأن يكون الله تعالى، هو المجيد، و«اللوح»‏:‏ هو اللوح المحفوظ الذي فيه جميع الأشياء، وقرأ خفض القراء‏:‏ «في لوحٍ محفوظٍ» بالخفض صفة ل ‏{‏لوح‏}‏ المشهور بهذه الصفة، وقرأ نافع وحده بخلاف عنه وابن محيصن والأعرج‏:‏ «محفوظٌ» بالرفع صفة القرآن على نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإنا له لحافظون‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 9‏]‏، أي هو محفوظ في القلوب، لا يدركه الخطأ والتعديل، وقال أنس‏:‏ إن اللوح المحفوظ هو في جبهة إسرافيل، وقيل‏:‏ هو من درة بيضاء قاله ابن عباس، وهذا كله مما قصرت به الأسانيد، وقرأ ابن السميفع‏:‏ «في لُوح» بضم اللام‏.‏

نجز تفسير ‏{‏البروج‏}‏ والحمدلله رب العالمين‏.‏

سورة الطارق

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 10‏]‏

‏{‏وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ‏(‏1‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ‏(‏2‏)‏ النَّجْمُ الثَّاقِبُ ‏(‏3‏)‏ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ‏(‏4‏)‏ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ‏(‏5‏)‏ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ‏(‏6‏)‏ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ‏(‏7‏)‏ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ‏(‏8‏)‏ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ‏(‏9‏)‏ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ ‏(‏10‏)‏‏}‏

أقسم الله تعالى ب ‏{‏السماء‏}‏ المعروفة في قول جمهور المتأولين، وقال قوم‏:‏ ‏{‏السماء‏}‏ هنا، المطر، والعرب تسمية سماء، لما كان من السماء، وتسمي السحاب سماء، ومن ذلك قول الشاعر ‏[‏جرير‏]‏‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

إذا نزل السماء بأرض قوم *** رعيناه وإن كانوا غضابا

وقول النابغة‏:‏ ‏[‏الكامل‏]‏

كالأقحوان غداة غب سمائه *** ‏{‏والطارق‏}‏ الذي يأتي ليلاً، وهو اسم جنس لكل ما يظهر ويأتي ليلاً، ومنه نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس من أسفارهم أن يأتي الرجل أهله طروقاً، ومنه طروق الخيال، وقال الشاعر‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

يا نائم الليل مغتراً بأوله *** إن الحوادث قد تطرقن أسحاراً

ثم بين الله تعالى الجنس المذكور بأنه ‏{‏النجم الثاقب‏}‏، وقيل بل معنى الآية‏:‏ ‏{‏والسماء‏}‏ وجميع ما يطرق فيها من الأمور والمخلوقات، ثم ذكر تعالى بعد ذلك على جهة التنبيه أجل الطارقات قدراً وهو ‏{‏النجم الثاقب‏}‏، فكأنه قال‏:‏ ‏{‏وما أدراك ما الطارق‏}‏، وحق الطارق، واختلف المتأولون في ‏{‏النجم الثاقب‏}‏، فقال الحسن بن أبي الحسن ما معناه‏:‏ إنه اسم للجنس، لأنها كلها ثاقبة، أي ظاهرة الضوء، يقال ثقب النجم إذا أضاء، وثقبت النار، كذلك، وثقبت الرائحة إذا سطعت، ويقال للموقد اثقب نارك، أي اضئها، وقال ابن زيد‏:‏ أراد نجماً مخصوصاً‏:‏ وهو زحل، ووصفه بالثقوب، لأنه مبرز على الكواكب في ذلك، وقال ابن عباس‏:‏ أراد الجدي، وقال بعض هؤلاء يقال‏:‏ ثقب النجم، إذا ارتفع وصف زحلاً بالثقوب لأنه أرفع الكواكب مكاناً‏.‏ وقال ابن زيد وغيره‏:‏ ‏{‏النجم الثاقب‏}‏‏:‏ الثريا، وهو الذي يطلق عليه اسم النجم معرفاً، وجواب القسم في قوله‏:‏ ‏{‏إن كل نفس‏}‏ الآية، وقرأ جمهور الناس‏:‏ «لما» مخففة الميم، قال الحذاق من النحويين وهم البصريون‏:‏ مخففة من الثقيلة، واللام‏:‏ لام التأكيد الداخلة على الخبر، وقال الكوفيون‏:‏ ‏{‏إن‏}‏، بمعنى‏:‏ ما النافية، واللام بمعنى‏:‏ إلا، فالتقدير ما كان نفس إلا ‏{‏عليها حافظ‏}‏، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي والحسن والأعرج وأبو عمرو ونافع بخلاف عنهما وقتادة‏:‏ «لمّا» بتشديد الميم، وقال أبو الحسن الأخفش‏:‏ «لمّا» بمعنى‏:‏ إلا، لغة مشهورة في هذيل وغيرهم، يقال‏:‏ أقسمت عليك لمّا فعلت كذا، أي إلا فعلت كذا، ومعنى هذه الآية فيما قال قتادة وابن سيرين وغيرهما‏:‏ إن كل نفس مكلفة فعليها حافظ يحصي أعمالها ويعدها للجزاء عليها، وبهذا الوجه تدخل الآية في الوعيد الزاجر، وقال الفراء، المعنى‏:‏ ‏{‏عليها حافظ‏}‏ يحفظها حتى يسلمها إلى القدر، وهذا قول فاسد المعنى لأن مدة الحفظ إنما هي بقدر، وقال أبو إمامة‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية «إن لكل نفس حفظة من الله تعالى يذبون عنها كما يذب عن العسل، ولو وكل المرء إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الطير والشياطين،»

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلينظر الإنسان مم خلق‏}‏، توقيف لمنكري البعث على أصل الخلقة، أي أن البعث جائز ممكن، ثم بادر اللفظ إلى الجواب اقتضاباً وإسراعاً إلى إقامة الحجة، إذ لا جواب لأحد إلا هذا، و‏{‏دافق‏}‏، قال كثير‏:‏ هو بمعنى‏:‏ مدفوق، وقال الخليل وسيبويه‏:‏ هو على النسب أي ذي دفق، والدفق‏:‏ دفق الماء بعضه إلى بعض، تدفق الوادي والسيل، إذا جاء يركب بعضه بعضاً، ويصح أن يكون الماء دافقاً، لأن بعضه يدفع بعضاً، فمنه ‏{‏دافق‏}‏ ومنه مدفوق‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يخرج من بين الصلب والترائب‏}‏، قال قتادة والحسن وغيره‏:‏ معناه من بين صلب كل واحد من الرجل والمرأة وترائبه، وقال سفيان وقتادة أيضاً وجماعة‏:‏ من بين صلب الرجل وترائب المرأة، والضمير في ‏{‏يخرج‏}‏ يحتمل أن يكون للإنسان، ويحتمل أن يكون للماء، وقرأ الجمهور‏:‏ «الصلب»، وقرأ أهل مكة وعيسى‏:‏ «الصلُب» بضم اللام على الجميع، والتريبة من الإنسان‏:‏ ما بين الترقوة إلى الثدي، وقال أبو عبيدة، معلق الحلي على الصدر، وجمع ذلك‏:‏ ترائب ومنه قول الشاعر ‏[‏المثقب العبدي‏]‏‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

ومن ذهب يسن على تريب *** كلوان العاج ليس بذي غضون

وقال امرؤ القيس‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

ترائبها مصقولة كالسجنجل *** فجمع التريبة وما حولها فجعل ذلك ترائب، وقال مكي عن ابن عباس‏:‏ إن الترب أطراف المرء ورجلاه ويداه وعيناه، وقال معمر‏:‏ ‏{‏الترائب‏}‏، جمع تربية، وهي عصارة القلب، ومنه يكون الولد، وفي هذه الأقوال تحكم على اللغة، وقال ابن عباس‏:‏ ‏{‏الترائب‏}‏ موضع القلادة، وقال أيضاً‏:‏ هي ما بين ثدي المرأة، وقال ابن جبير‏:‏ هي أضلاع الرجل التي أسفل الصلب، وقال مجاهد‏:‏ هي الصدر، وقال هي التراقي، وقيل هي ما بين المنكبين والصدر‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنه على رجعة لقادر‏}‏ الضمير في ‏{‏إنه‏}‏ لله تعالى، واختلف المفسرون في الضمير في ‏{‏رجعه‏}‏‏:‏ فقال قتادة وابن عباس‏:‏ هو على ‏{‏الإنسان‏}‏ على أي على رده حياً بعد موته، وقال الضحاك‏:‏ هو عائد على ‏{‏الإنسان‏}‏ لكن المعنى يرجعه ماء كما كان أولاً، وقال الضحاك أيضاً‏:‏ يرد من الكبر إلى الشباب، وقال عكرمة ومجاهد‏:‏ هو عائد على الماء، أي يرده في الإحليل، وقيل في الصلب، والعامل في ‏{‏يوم‏}‏ على هذين القولين الأخيرين فعل مضمر تقديره اذكر ‏{‏يوم تبلى السرائر‏}‏، وعلى القول الأول، وهو أظهر الأقوال وأبينها، اختلفوا في العامل في ‏{‏يوم‏}‏، فقيل‏:‏ العامل ‏{‏ناصر‏}‏، من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا ناصر‏}‏، وقيل العامل الرجع في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏على رجعه‏}‏، قالوا وفي المصدر من القوة بحيث يعمل وإن حال خبر ان بينه وبين معموله، وقال الحذاق العامل فعل مضمر تقديره‏:‏ ‏{‏إنه على رجعه لقادر‏}‏، فرجعه ‏{‏يوم تبلى السرائر‏}‏، وكل هذه الفرق فسرت من أن يكون العامل «قادر»، لأن ذلك يظهر منه تخصيص القدرة في ذلك اليوم وحده، وإذا تؤمل المعنى وما يقتضيه فصيح كلام العرب، جاز أن يكون العامل «قادر»، وذلك أنه قال‏:‏ ‏{‏إنه على رجعه لقادر‏}‏، أي على الإطلاق أولاً وآخراً وفي كل وقت، ثم ذكر تعالى وخصص من الأوقات الوقت الأهم على الكفار لأنه وقت الجزاء والوصل إلى العذاب ليجتمع الناس إلى حذره والخوف منه، و‏{‏تبلى السرائر‏}‏ معناه‏:‏ تختبر وتكشف بواطنها، وروى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أن ‏{‏السرائر‏}‏ التي يبتليها الله تعالى من العباد‏:‏ التوحيد والصلاة والزكاة والغسل من الجنابة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 17‏]‏

‏{‏وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ‏(‏11‏)‏ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ ‏(‏12‏)‏ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ‏(‏13‏)‏ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ‏(‏14‏)‏ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ‏(‏15‏)‏ وَأَكِيدُ كَيْدًا ‏(‏16‏)‏ فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ‏(‏17‏)‏‏}‏

‏{‏السماء‏}‏ في هذا القسم يحتمل أن تكون المعرفة، ويحتمل أن تكون السحاب، و‏{‏الرجع‏}‏ المطر وماؤه، ومنه قول الهذلي‏:‏ ‏[‏السريع‏]‏

أبيض كالرجع وسوب إذا *** ما شاخ من محتفل يختلي

وقال ابن عباس‏:‏ ‏{‏الرجع‏}‏، السحاب فيه المطر، قال الحسن‏:‏ لأنه يرجع بالرزق كل عام، قال غيره لأنه يرجع إلى الإرض، وقال ابن زيد‏:‏ ‏{‏الرجع‏}‏ مصدر رجوع الشمس والقمر والكواكب من حال إلى حال، ومنه منزلة تذهب وترجع، و‏{‏الصدع‏}‏‏:‏ النبات، لأن الأرض تتصدع عنه، وهذا قول من قال‏:‏ إن ‏{‏الرجع‏}‏ المطر، وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏الصدع‏}‏‏:‏ ما في الأرض من شعاب ولصاب وخندق وتشقق بحرث وغيره، وهي أمور فيها معتبر، وهذا قول يناسب القول الثاني في ‏{‏الرجع‏}‏، والضمير في ‏{‏إنه‏}‏ للقرآن ولم يتقدم له ذكر، من حيث القول في جزء منه والحال تقتضيه، و‏{‏فصل‏}‏‏:‏ معناه جزم فصل الحائق من الأباطيل، و«الهزل»‏:‏ اللعب الباطل، ثم أخبر تعالى عن قريش ‏{‏إنهم يكيدون‏}‏ في أفعالهم وأقوالهم وتمرسهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وتدبرهم رد أمره، ثم قوى ذلك بالمصدر وأكده وأخبر عن أنه يفعل بهم عقاباً سماه ‏{‏كيداً‏}‏ على العرف في تسمية العقوبة باسم الذنب، ثم ظهر من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمهل الكافرين‏}‏ أن عقابه لهم الذي سماه‏:‏ ‏{‏كيداً‏}‏، متأخر حتى ظهر ببدر وغيره، وقرأ جمهور الناس‏:‏ «أمهلهم»، وقرأ ابن عباس‏:‏ «مهلهم»، وفي هذه الآية موادعة نسختها آية السيف، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏رويداً‏}‏ معناه‏:‏ قليلاً، قاله قتادة، وهذه حال هذه اللفظة إذا تقدمها شيء تصفه كقولك سر رويداً وتقدمها فعل يعمل فيها كهذه الآية، وأما إذا ابتدأت بها فقلت‏:‏ رويداً يا فلان، فهي بمعنى الأمر بالتماهل يجري مجرى قولهم‏:‏ صبراً يا زيد، وقليلاً عمرو‏.‏

سورة الأعلى

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 13‏]‏

‏{‏سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ‏(‏1‏)‏ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ‏(‏2‏)‏ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ‏(‏3‏)‏ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ‏(‏4‏)‏ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ‏(‏5‏)‏ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى ‏(‏6‏)‏ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ‏(‏7‏)‏ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ‏(‏8‏)‏ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ‏(‏9‏)‏ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ‏(‏10‏)‏ وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ‏(‏11‏)‏ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ‏(‏12‏)‏ ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى ‏(‏13‏)‏‏}‏

‏{‏سبح‏}‏ في هذه الآية، بمعنى نزه وقدس وقل سبحانه عن النقائص والغير جمعاً وما يقول المشركون، والاسم الذي هو‏:‏ ألف، سين، ميم، يأتي في مواضع من الكلام الفصيح يراد به المسمى، ويأتي في مواضع يراد به التسمية نحو قوله عليه السلام‏:‏ «إن لله تسعة وتسعين اسماً» وغير ذلك، ومعنى أريد به المسمى فإنما هو صلة كالزائد كأنه قال في هذه الآية‏:‏ سبح ربك، أي نزهه، وإذا كان الاسم واحداً من الأسماء كزيد وعمرو، فيجيء في الكلام على ما قلت، تقول زيد قائد تريد المسمى، وتقول‏:‏ زيد ثلاثة أحرف تريد به التسمية، وهذه الآية تحتمل هذا الوجه الأول، وتحتمل أن يراد بالاسم التسمية نفسها على معنى نزاه اسم ربك عن أن يسمى به صنم أو وثن، فيقال له إله ورب ونحو ذلك، و‏{‏الأعلى‏}‏ يصح أن يكون صفة للاسم، ويحتمل أن يكون صفة للرب، وذكر الطبري أن ابن عمر وعلياً قرآ هذه السورة‏:‏ «سبحان ربي الأعلى» قال وهي في مصحف أبيّ بن كعب كذلك، وهي قراءة أبي موسى الأشعري وابن الزبير ومالك بن أبي دينار، وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال‏:‏ «سبحان ربي الأعلى»، وكان ابن مسعود وابن عامر وابن الزبير يفعلون ذلك، ولما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «اجعلوها في سجودكم»، وقال قوم‏:‏ معنى ‏{‏سبح اسم ربك‏}‏ نزه اسم ربك تعالى عن أن تذكره إلا وانت خاشع، وقال ابن عباس معنى الآية‏:‏ صلّ باسم ربك الأعلى كما تقول ابدأ باسم الله، وحذف حرف الجر، و«سوى»، معناه عدل وأتقن حتى صارت الأمور مستوية دالة على قدرته ووحدانيته، وقرأ جمهور القراء «قدّر» بشد الدال فيحتمل أن يكون من القدر والقضاء، ويحتمل أن يكون من التقدير والموازنة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فهدى‏}‏ عام لوجوه الهدايات فقال الفراء‏:‏ معناه هدى وأضل، واكتفى بالواحدة لدلالتها على الأخرى، وقال مقاتل والكلبي‏:‏ هدى الحيوان إلى وطء الذكور الإناث، وقيل هدى المولود عند وضعه إلى مص الثدي، وقال مجاهد‏:‏ هدى الناس للخير والشر، والبهائم، للمراتع‏.‏‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذه الأقوال مثالات، والعموم في الآية أصوب في كل تقدير وفي كل هداية، و‏{‏المرعى‏}‏‏:‏ التبات، وهو أصل في قيام المعاش إذ هو غذاء الأنعام ومنه ما ينتفع به الناس في ذواتهم، و«الغثاء» ما يبس وجف وتحطم من النبات، وهو الذي يحمله السيل، وبه يشبه الناس الذين لا قدر لهم، و«الأحوى»‏:‏ قيل هو الأخضر الذي عليه سواد من شدة الخضرة والغضارة، وقيل هو الأسود سواداً يضرب إلى الخضرة ومنه قول ذي الرمة‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

لمياء في شفتيها حوّة لعس *** وفي اللثاث وفي أنيابها شنب

قال قتادة‏:‏ تقدير هذه الآية ‏{‏أخرج المرعى‏}‏، ‏{‏أحوى‏}‏ أسود من خضرته ونضارته، ‏{‏فجعله غثاء‏}‏ عند يبسه، ف ‏{‏أحوى‏}‏ حال، وقال ابن عباس‏:‏ المعنى ‏{‏فجعله غثاء أحوى‏}‏ أي أسود، لأن الغثاء إذا قدم وأصابته الأمطار اسود وتعفن فصار ‏{‏أحوى‏}‏ بهذه الصفة‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏سنقرئك فلا تنسى‏}‏، قال الحسن وقتادة ومالك ابن أنس‏:‏ هذه الآية في معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا تحرك به لسانك‏}‏ ‏[‏القيامة‏:‏ 16‏]‏ الآية، وعد الله أن يقرئه وأخبره أنه لا ينسى نسياناً لا يكون بعده ذكر، فتذهب الآية، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرك شفتيه مبادرة خوفاً منه أن ينسى، وفي هذا التأويل آية النبي صلى الله عليه وسلم في أنه أمي، وحفظ الله تعالى عليه الوحي، وأمنه من نسيانه، وقال آخرون‏:‏ ليست هذه الآية في معنى تلك، وإنما هذه وعد بإقرار الشرع والسور، وأمره أن لا ينسى على معنى التثبيت والتأكيد، وقد علم أن ترك النسيان ليس في قدرته، فقد نهي عن إغفال التعاهد، وأثبت الياء في «تنسى» لتعديل رؤوس الآي، وقال الجنيد‏:‏ معنى ‏{‏فلا تنسى‏}‏، لا تترك العمل بما تضمن من أمر ونهي، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلا ما شاء الله‏}‏، قال الحسن وقتادة وغيره مما قضى الله تعالى بنسخه، وأن ترفع تلاوته وحكمه‏.‏ وقال الفراء وجماعة من أهل المعاني‏:‏ هو استثناء صلة في الكلام على سنة الله تعالى في الاستثناء، وليس ثم شيء أبيح نسيانه، وقال ابن عباس‏:‏ ‏{‏إلا ما شاء الله‏}‏ أن ينسيكه لتسن به على نحو قوله عليه السلام «إني لأنسى أَو أُنَسَّى لأسنَّ» وقال بعض المتأولين‏:‏ ‏{‏إلا ما شاء الله‏}‏ أن يغلبك النسيان عليه ثم يذكرك به بعد، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع قراءة عباد بن بشر يرحمه الله‏:‏ «لقد أذكرني كذا في سورة كذا وكذا»‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ونسيان النبي صلى الله عليه وسلم ممتنع فيما أمر بتبليغه، إذ هو معصوم فإذا بلغه ووعي عنه، فالنسيان جائز على أن يتذكر بعد ذلك وعلى أن يسنَّ، أو على النسخ، ثم أخبر تعالى ‏{‏إنه يعلم الجهر‏}‏ من الأشياء ‏{‏وما يخفى‏}‏ منها، وذلك لإحاطته بكل شيء علماً، وبهذا يصح الخبر بأنه لا ينسى شيئاً إلا ذكره الله تعالى به، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ونيسرك لليسرى‏}‏ معناه‏:‏ نذهب بك نحو الأمور المستحسنة في دنياك وأخراك من النصر والظفر وعلو الرسالة والمنزلة يوم القيامة، والرفعة في الجنة، ثم أمره تعالى بالتذكير، واختلف الناس في معنى قوله تعالى ‏{‏إن نفعت الذكرى‏}‏ فقال الفراء والزهراوي معناه‏:‏ وإن لم تنفع، فاقتصر على القسم الواحد لدلالته على الثاني، وقال بعض الحذاق‏:‏ إنما قوله ‏{‏إن نفعت الذكرى‏}‏، اعتراض بين الكلامين على جهة التوبيخ لقريش، أي ‏{‏إن نفعت الذكرى‏}‏ في هؤلاء الطغاء العتاة، وهذا نحو قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏14- 19‏]‏

‏{‏قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ‏(‏14‏)‏ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ‏(‏15‏)‏ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ‏(‏16‏)‏ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ‏(‏17‏)‏ إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى ‏(‏18‏)‏ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ‏(‏19‏)‏‏}‏

‏{‏أفلح‏}‏ في هذه الآية معناه‏:‏ فاز ببغيته، ‏{‏وتزكى‏}‏ معناه‏:‏ طهر نفسه ونماها إلى الخير‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ قال لا إله إلا الله فتطهر من الشرك، وقال الحسن‏:‏ من كان عمله زاكياً، وقال أبو الأحوص‏:‏ من رضخ من ماله وزكاه، وقوله ‏{‏وذكر اسم ربه‏}‏ معناه‏:‏ وحّده وصلى له الصلوات التي فرضت عليه، وتنفل أيضاً بما أمكنه من صلاة وبرّ، وقال أبو سعيد الخدري وابن عمر وابن المسيب‏:‏ هذه الآية في صبيحة يوم الفطر فتزكى، أدى زكاة الفطر، ‏{‏وذكر اسم ربه‏}‏، هو ذكر الله في طريق المصلى إلى أن يخرج الإمام، والصلاة هي صلاة العيد، وقد روي هذا التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال قتادة وكثير من المتأولين‏:‏ ‏{‏تزكى‏}‏‏:‏ أدى زكاة ماله، و«صلى» معناه صلى الخمس، ثم أخبر تعالى الناس أنهم يؤثرون ‏{‏الحياة الدنيا‏}‏، فالكفار يؤثرها إيثار كفر يرى أن لا آخرة، والمؤمن يؤثرها إيثار معصية وغلبة نفس إلا من عصم الله، وقرأ أبو عمرو وحده «يؤثرون» بالياء، وقال‏:‏ يعني الأشقين، وهي قراءة ابن مسعود والحسن وأبي رجاء والجحدري، وقرأ الباقون والناس‏:‏ «تؤثرون» بالتاء على المخاطبة، وفي حرف أبي بن كعب «بل أنتم تؤثرون» وسبب الإيثار حب العاجل والجهل ببقاء الآخرة، وقال عمر‏:‏ ما في الدنيا في الآخرة إلا كنفخة أرنب، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن هذا‏}‏ قال الضحاك‏:‏ أراد القرآن، وروي أن القرآن انتسخ من ‏{‏الصحف الأولى‏}‏ وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس‏:‏ الإشارة إلى معاني السورة، وقال ابن زيد‏:‏ الإشارة إلى هذين الخبرين «إفلاح من تزكى» وإيثار الناس للدنيا مع فضل الآخرة عليها، وهذا هو الأرجح لقرب المشار إليه بهذا‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لفي الصحف الأولى‏}‏ أي لم ينسخ هذا قط في شرع من الشرائع فهو في الأولى وفي الأخيرات، ونظير هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى‏:‏ «إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» أي أنه مما جاءت به الأولى واستمر في الغي، وقرأ الجمهور «الصحُف» مضمونة الحاء، وروى هارون عن أبي عمرو بسكون الحاء، وهي قراءة الأعمش، وقرأ أبو رجاء‏:‏ ‏{‏إبراهيم‏}‏ بغير الياء ولا ألف، وقرأ ابن الزبير «ابراهام» في كل القرآن، وكذلك أبو موسى الأشعري، وقرأ عبد الرحمن بن أبي بكرة «إبراهِم» بكسر الهاء وبغير ياء في جميع القرآن وروي أن ‏{‏صحف إبراهيم‏}‏ نزلت في أول ليلة من رمضان، والتوراة في السادسة من رمضان والزبور في اثني عشرة منه والإنجيل في ثمان عشرة منه والقرآن في أربعة عشرة‏.‏

نجز تفسير سورة ‏{‏الأعلى‏}‏ والحمدلله كثيراً‏.‏

سورة الغاشية

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 11‏]‏

‏{‏هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ‏(‏1‏)‏ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ‏(‏2‏)‏ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ‏(‏3‏)‏ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ‏(‏4‏)‏ تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ ‏(‏5‏)‏ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ‏(‏6‏)‏ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ‏(‏7‏)‏ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ ‏(‏8‏)‏ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ‏(‏9‏)‏ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ‏(‏10‏)‏ لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً ‏(‏11‏)‏‏}‏

قال بعض المفسرين‏:‏ ‏{‏هل‏}‏ بمعنى قد، وقال الحذاق‏:‏ هي على بابها توقيف، فائدته تحريك نفس السامع إلى تلقي الخبر، وقيل المعنى هل كان هذا من علمك لولا ما علمناك، ففي هذا التأويل تعديد النعمة‏.‏ و‏{‏الغاشية‏}‏ القيامة لأنها تغشى العالم كله بهولها وتغييرها لبنيته، قاله سفيان وجمهور من المتأولين، وقال ابن جبير ومحمد بن كعب‏:‏ ‏{‏الغاشية‏}‏ النار، وقد قال تعالى ‏{‏وتغشى وجوههم النار‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 50‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏ومن فوقهم غواش‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 41‏]‏ فهي تغشى سكانها والقول الأول يؤيده قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجوه يومئذ‏}‏، والوجوه الخاشعة، وجوه الكفار وخشوعها ذلها وتغيرها بالعذاب، واختلف الناس في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏عاملة ناصبة‏}‏ فيها والنصب، التعب، لأنها تكبرت عن العمل لله في الدنيا فأعملها في الآخرة في ناره، وقال عكرمة والسدي‏:‏ المعنى‏:‏ ‏{‏عاملة‏}‏ في الدنيا ‏{‏ناصبة‏}‏ يوم القيامة، فالعمل على هذا هو مساعي الدنيا، وقال ابن عباس وزيد بن أسلم وابن جبير‏:‏ المعنى‏:‏ هي ‏{‏عاملة‏}‏ في الدنيا ‏{‏ناصبة‏}‏ فيها لأنها على غير هدى، فلا ثمرة لعملها إلا النصب وخاتمته النار‏.‏ قالوا‏:‏ والآية في القسيسين وعبدة الأوثان وكل مجتهد في كفر، وقد ذهب هذا المذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تأويل الآية، وبكى رحمة لراهب نصراني رآه مجتهداً، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال إن فيهم المجتهد، وقرأ ابن كثير في رواية شبل وابن محيصن‏:‏ «عاملةً ناصبةً» بالنصب على الذم، والناصب فعل مضمر تقديره أذم أو أغني ونحو هذا، وقرأ الستة وحفص عن عاصم والأعرج وطلحة وأبو جعفر والحسن‏:‏ «تَصْلى» بفتح التاء وسكون الصاد على بناء الفعل للفاعل، أي الوجوه، وقرأ أبو بكر عن عاصم وأبو عمرو بخلاف عنه وأبو رجاء وأبو عبد الرحمن وابن محيصن، واختلف عن نافع وعن الأعرج «تُصْلى» تضم التاء وسكون الصاد، وذلك يحتمل أن يكون من صليته النار على معنى أصليته، فيكون كتضرب، ويحتمل أن يكون من أصليت، فتكون كتكرم، وقرأ بعض الناس‏:‏ «تُصَلّى» بضم التاء وفتح الصاد وشد اللام على التعدية بالتضعيف، حكاها أبو عمرو بن العلاء، و«الحامية»، المتوقدة المتوهجة، و«الآنية»‏:‏ التي قد انتهى حرها كما قال تعالى ‏{‏وبين حميم آن‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 44‏]‏، قاله ابن عباس والحسن ومجاهد، وقال ابن زيد‏:‏ معنى ‏{‏آنية‏}‏‏:‏ حاضرة لهم من قولك آن الشيء إذا حضر، واختلف الناس في «الضريع»، فقال الحسن وجماعة من المفسرين‏:‏ هو الزقوم، لأن الله تعالى قد أخبر في هذه الآية أن الكفار لا طعام لهم ‏{‏إلا من ضريع‏}‏، وقد أخبر أن الزقوم طعام الأثيم، فذلك يقتضي أن الضريع الزقوم، وقاله سعيد بن جبير «الضريع»‏:‏ الحجارة، وقال مجاهد وابن عباس وقتادة وعكرمة‏:‏ «الضريع» شبرق النار، وقال أبو حنيفة‏:‏ «الضريع» الشبرق وهو مرعى سوء لا تعقد السائمة عليه شحماً ولا لحماً، ومنه قول أبي عيزارة الهذلي‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

وحبسْنَ في هزم الضريع فكلها *** جرباء دامية اليدين حرود

وقال أبو ذؤيب‏:‏

رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى *** وعاد ضريعاً بان منه الخائض

وقيل «الضريع»‏:‏ العشرق، وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «الضريع»‏:‏ شوك في النار، وقال بعض اللغويين‏:‏ «الضريع» يبيس العرفج إذا تحطم، وقال آخرون‏:‏ هو رطب العرفج، وقال الزجاج‏:‏ هو نبت كالعوسج، وقال بعض المفسرين‏:‏ «الضريع» نبت في البحر أخضر منتن مجوف مستطيل له بورقية كثيرة، وقال ابن عباس‏:‏ «الضريع»‏:‏ شجر من نار، وكل من ذكر شيئاً مما ذكرناه فإنما يعني أن ذلك من نار ولا بد، وكل ما في النار فهو نار‏.‏ وقال قوم‏:‏ ‏{‏ضريع‏}‏ واد في جهنم، وقال جماعة من المتأولين‏:‏ «الضريع» طعام أهل النار ولم يرد أن يخصص شيئاً مما ذكرنا، وقال بعض اللغويين‏:‏ وهذا لا تعرفه العرب، وقيل‏:‏ «الضريع»‏:‏ الجلدة التي على العظم تحت اللحم، ولا أعرف من تأول الآية بهذا، وأهل هذه الأقاويل يقولون الزقوم لطائفة، والضريع لطائفة والغسلين لطائفة، واختلف في المعنى الذي سمي ضريعاً فقيل هو ضريع بمعنى مضرع أي مضعف للبدن مهزل، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في ولد جعفر بن أبي طالب‏:‏ «ما لي أراهما ضارعين»‏؟‏ يريد هزيلين، ومن فعيل بمعنى مفعل قول عمرو بن معد يكرب‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏ _@_

أمن ريحانة الداعي السميع *** يؤرقني وأصحابي هجوم

يريد السمع، وقيل ‏{‏ضريع‏}‏ فعيل من المضارعة، أي الاشتباه لأنه يشبه المرعى الجيد ويضارعه في الظاهر وليس به‏.‏ ولما ذكر تعالى وجوه أهل النار، عقب ذلك بذكره وجوه أهل الجنة ليبين الفرق، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لسعيها‏}‏ يريد لعملها في الدنيا وطاعتها، والمعنى لثواب سعيها والتنعيم عليه، ووصف الجنة بالعلو وذلك يصح من جهة المسافة والمكان ومن جهة المكانة والمنزلة أيضاً، وقرأ نافع وحده وابن كثير وأبو عمرو بخلاف عنهما والأعرج وأهل مكة والمدينة «لا تسمع فيها لاغية» أي ذات لغو، فهي على النسب، وفسره بعضهم على معنى لا تسمع فيها فئة أو جماعة لاغية ناطقة بسوء‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ ‏{‏لاغية‏}‏؛ مصدر كالعاقبة والخائنة، وقرأ الجحدري «لا تُسمع» بضم التاء، «لاغيةً» بالنصب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو‏:‏ «لا يُسمع» بالياء من تحت مضمومة «لاغيةٌ» بالرفع، وهي قراءة ابن محيصن وعيسى والجحدري أيضاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 26‏]‏

‏{‏فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ‏(‏12‏)‏ فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ‏(‏13‏)‏ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ ‏(‏14‏)‏ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ ‏(‏15‏)‏ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ‏(‏16‏)‏ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ‏(‏17‏)‏ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ‏(‏18‏)‏ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ‏(‏19‏)‏ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ‏(‏20‏)‏ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ‏(‏21‏)‏ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ‏(‏22‏)‏ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ‏(‏23‏)‏ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ ‏(‏24‏)‏ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ‏(‏25‏)‏ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ‏(‏26‏)‏‏}‏

‏{‏عين‏}‏ في هذه الآية اسم جنس، ويحتمل أن تكون عيناً مخصوصة ذكرت على جهة التشريف لها‏.‏ و«رفع السرر» أشرف لها، و«الأكواب» أوان كالأباريق لا عرى لها ولا آذان ولا خراطيم، وشكلها عند العرب معروف‏.‏ و‏{‏موضوعة‏}‏ معناه بأشربتها معدة و«النمرقة» الوسادة، ويقال نمرقة بكسر النون والراء وقال زهير‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

كهولاً وشباناً حساناً وجوههم *** على سُررِ مصفوفةٍ ونمارق

و «الزرابي» واحدتها زريبة، ويقال بفتح الزاي وهي كالطنافس لها خمل، قاله الفراء وهي ملونات، و‏{‏مبثوثة‏}‏ معناه كثيرة متفرقة، ثم أقام تعالى الحجة على منكري قدرته على بعث الأجساد بأن وقفهم على موضع العبرة في مخلوقاته، و‏{‏الإبل‏}‏ في هذه الآية هي الجمال المعروفة، هذا قول جمهور المتأولين، وفي الجمل آيات وعبر لمن تأمل ليس في الحيوان ما يقوم من البروك بحمله سواه وهو على قوته غاية في الانقياد‏.‏ قال الثعلبي في بعض التفاسير‏:‏ إن فأرة جرت بزمام ناقة فتبعتها حتى دخلت الحجر فبركت الناقة وأذنت رأسها من فم الحجر، وكان سريح القاضي يقول لأصحابة‏:‏ اخرجوا بنا إلى الكناسة حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت، وقال أبو العباس المبرد ‏{‏الإبل‏}‏ هنا السحاب، لأن العرب قد تسميها بذلك إذ تأتيها أرسالاً كالإبل وتزجى كما تزجى الإبل في هيئتها أحياناً تشبه الإبل والنعام، ومنه قول الشاعر‏:‏ المتقارب‏]‏

كأن السحاب دوين السما *** نعام تعلق بالأرجلِ

وقرأ أبو عمر بخلاف وعيسى «الإبلّ» بشد اللام وهي السحاب فيما ذكر قوم من اللغويين والنقاش وقرأ الجمهور «خُلقَت» بفتح القاف وضم الخاء، وقرأ علي بن أبي طالب «خَلقْت» بفتح الخاء وسكون القاف على فعل التكلم، وكذلك رفعت ونصبت «وسطحت» وقرأ أبو حيوة «رفّعت» و«نصّبت» و«سطّحت» بالتشديد فيها، و‏{‏نصبت‏}‏ معناه‏:‏ أثبتت قائمة في الهواء لا تنتطح، وقرأ الجمهور «سطِحت» وقرأ هارون الرشيد «سطّحت» بشد الطاء على المبالغة، وهي قراءة الحسن، وظاهر هذه الآية أن الأرض سطح لها كرة، وهو الذي عليه أهل العلم، والقول بكريتها وإن كان لا ينقص ركناً من أركان الشرع، فهو قول لا يثبته علماء الشرع، ثم أمر تعالى نبيه بالتذكير بهذه الآية ونحوها، ثم نفى أن يكون مصطيراً على الناس، أي قاهراً جاهداً مع تكبر تسلطاً عليهم، يقال تسيطر علينا فلان، وقرأ بعض الناس «بمسيطر» بالسين وبعضهم بالصاد، وقد تقدم وقرأ هارون «بمصيطَر» بفتح الطاء وهي لغة تميم وليس في كلام العرب على هذا البناء غير مسيطر ومبيطر ومبيقر ومهيمن، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلا من تولى وكفر‏}‏ قال بعض المتأولين الاستثناء متصل والمعنى ‏{‏إلا من تولى‏}‏ فإنك مصيطر عليه فالآية على هذا لا نسخ فيها وقال آخرون منهم، الاستثناء منفصل، والمعنى ‏{‏لست عليهم بمصيطر‏}‏ وتم الكلام، وهي آية موادعة منسوخة بالسيف ثم قال ‏{‏إلا من تولى وكفر فيعذبه الله‏}‏، وهذا هو القول الصحيح لأن السورة مكية، والقتال إنما نزل بالمدينة، و‏{‏من‏}‏ بمعنى الذي‏.‏

سورة الفجر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 14‏]‏

‏{‏وَالْفَجْرِ ‏(‏1‏)‏ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ‏(‏2‏)‏ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ‏(‏3‏)‏ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ‏(‏4‏)‏ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ‏(‏5‏)‏ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ‏(‏6‏)‏ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ‏(‏7‏)‏ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ‏(‏8‏)‏ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ‏(‏9‏)‏ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ ‏(‏10‏)‏ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ‏(‏11‏)‏ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ‏(‏12‏)‏ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ‏(‏13‏)‏ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ‏(‏14‏)‏‏}‏

قال جمهور من المتأولين‏:‏ ‏{‏الفجر‏}‏ هنا المشهور الطالع كل يوم، قال ابن عباس‏:‏ ‏{‏الفجر‏}‏ النهار كله، وقال ابن عباس أيضاً وزيد بن أسلم‏:‏ ‏{‏الفجر‏}‏ الذي أقسم الله به، صلاة الصبح، وقراءتها هو قرآن الفجر، وقال مجاهد‏:‏ إنما أراد فجر يوم النحر، وقال الضحاك‏:‏ المراد فجر ذي الحجة، وقال مقاتل المراد فجر ليلة جمع، وقال ابن عباس‏:‏ أيضاً‏:‏ المراد فجر أول يوم من المحرم، لأنه فجر السنة، وقيل المراد فجر العيون من الصخور وغيرها، وقال عكرمة‏:‏ المراد فجر يوم الجمعة، واختلف الناس في «الليالي العشر» فقال بعض الرواة‏:‏ هي العشر الأولى من رمضان، وقال الضحاك وابن عباس‏:‏ هي العشر الأواخر من رمضان، وقال بنان وجماعة من المتأولين‏:‏ هي العشر الأولى من المحرم، وفيه يوم عاشوراء، وقال مجاهد وقتادة والضحاك والسدي وعطية العوفي وابن الزبير رضي الله عنه‏:‏ هي عشر ذي الحجة، وقال مجاهد‏:‏ هي عشر موسى التي أتمها الله له، وقرأ الجمهور «وليالٍ»، وقرأ بعض القراء «وليالي عشر» بالإضافة وكأن هذا على أن العشر مشار إليه معين بالعلم به، ثم وقع القسم بلياليه فكأن العشر اسم لزمه حتى عومل معاملة الفرد، ثم وصف ومن راعى فيه الليالي قال العشر الوسط، واختلف الناس في ‏{‏الشفع والوتر‏}‏ فقال جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏الشفع‏}‏ يوم النحر ‏{‏والوتر‏}‏ يوم عرفة وروى أيوب عنه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «الشفع يوم عرفة ويوم الأضحى، والوتر ليلة النحر» وروى عمران بن حصين عنه عليه السلام أنه قال‏:‏ «هي الصلوات منها الشفع ومنها الوتر» وقال ابن الزبير وغيره‏:‏ ‏{‏الشفع‏}‏ اليومان من أيام التشريق ‏{‏والوتر‏}‏، اليوم الثالث، وقال آخرون‏:‏ ‏{‏الشفع‏}‏، العالم ‏{‏والوتر‏}‏، الله إذا هو الواحد محضاً وسواه ليس كذلك، وقال بعض المتأولين‏:‏ ‏{‏الشفع‏}‏ آدم وحواء، و‏{‏الوتر‏}‏ الله، وقال ابن سيرين ومسروق وأبو صالح‏:‏ ‏{‏الشفع والوتر‏}‏ شائعان الخلق كله، الإيمان والكفر والإنس والجن وما اطرد على نحو هذا فهي أضداد أو كالأضداد، وترها الله تعالى فرد أحد‏.‏ وقيل ‏{‏الشفع‏}‏‏:‏ الصفا والمروة، ‏{‏والوتر‏}‏ البيت، وقال الحسن بن الفضل‏:‏ ‏{‏الشفع‏}‏ أبواب الجنة لأنها ثمانية أبواب، ‏{‏والوتر‏}‏ أبواب النار لأنها سبعة أبواب، وقال مقاتل‏:‏ ‏{‏الشفع‏}‏ الأيام والليالي، ‏{‏والوتر‏}‏ يوم القيامة لأنه لا ليل بعده، ‏{‏والوتر‏}‏ اتحاد صفات الله تعالى، عز محض وكرم محض ونحوه، وقيل ‏{‏الشفع‏}‏، قرآن الحج والعمرة، ‏{‏والوتر‏}‏ الإفراد في الحج، وقال الحسن‏:‏ أقسم الله تعالى بالعدد لأنه إما شفع وإما وتر، وقال بعض المفسرين‏:‏ ‏{‏الشفع‏}‏ حواء ‏{‏والوتر‏}‏ آدم عليه السلام، وقال ابن عباس ومجاهد‏:‏ ‏{‏الوتر‏}‏ صلاة المغرب، و‏{‏الشفع‏}‏ صلاة الصبح، وقال أبو العالية‏:‏ ‏{‏الشفع‏}‏ الركعتان من المغرب ‏{‏والوتر‏}‏ الركعة الأخيرة، وقال بعض العلماء‏:‏ ‏{‏الشفع‏}‏ تنفل الليل مثنى مثنى ‏{‏والوتر‏}‏ الركعة الأخيرة معروفة، وقرأ جمهور القراء والناس «والوَتر» بفتح الواو، وهي لغة قريش وأهل الحجاز، وقرأ حمزة والكسائي والحسن بخلاف وأبو رجاء وابن وثاب وطلحة والأعمش وقتادة‏:‏ «والوِتر» بكسر الواو، وهي لغة تميم وبكر بن وائل، وذكر الزهراوي أن الأغر رواها عن ابن عباس وهما لغتان في الفرد، وأما الدخل فإنما هو وتر بالكسر لا غير، وقد ذكر الزهراوي أن الأصمعي حكى فيه اللغتين الفتح والكسر، وسرى الليل ذهابه وانقراضه، هذا قول الجمهور، وقال ابن قتيبة والأخفش وغيره، المعنى ‏{‏إذا يسري‏}‏ فيه فيخرج هذا الكلام مخرج ليل نائم ونهار بطال‏.‏

وقال مجاهد وعكرمة والكلبي‏:‏ أراد بهذا ليلة جمع لأنه يسرى فيها، وقرأ الجمهور‏:‏ «يسر» دون ياء في وصل ووقف، وقرأ ابن كثير‏:‏ «يسري» بالياء في وصل ووقف، وقرأ نافع وأبو عمرو بخلاف عنه «يسري» بباء في الوصل ودونها في الوقف وحذفها تخفيف لاعتدال رؤوس الآي إذ هي فواصل كالقوافي، قال اليزيدي‏:‏ الوصل في هذا وما أشبهه بالياء، والوقف بغير ياء على خط المصحف‏.‏ ووقف تعالى على هذه الأقسام العظام هل فيها مقنع وحسب لذي عقل‏.‏ و‏{‏الحجر‏}‏ العقل والنهية، والمعنى فيزدجر ذو الحجر وينظر في آيات الله تعالى، ثم وقف تعالى على مصانع الأمم الخالية الكافرة وما فعل ربك من التعذيب والإهلاك والمراد بذلك توعد قريش ونصب المثل لها‏.‏ و‏{‏عاد‏}‏ قبيلة لا خلاف في ذلك، واختلف الناس في ‏{‏إرم‏}‏ فقال مجاهد وقتادة‏:‏ هي القبيلة بعينها، وهذا على قول ابن الرقيات‏:‏ ‏[‏المنسرح‏]‏

مجداً تليداً بناه أوله *** أدرك عاداً وقبله إرما

وقال زهير‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

وآخرين ترى الماذي عدتهم *** من نسج داود أو ما أورثت إرم

قال ابن إسحاق‏:‏ ‏{‏إرم‏}‏ هو أبو عاد كلها، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وقال‏:‏ هو أحد أجدادها، وقال جمهور المفسيرين‏:‏ ‏{‏إرم‏}‏ مدينة لهم عظيمة كانت على وجه الدهر باليمن، وقال محمد بن كعب‏:‏ هي «الإسكندرية»، وقال سعيد بن المسيب والمقري‏:‏ هي دمشق، وهذان القولان ضعيفان، وقال مجاهد ‏{‏إرم‏}‏ معناه القديمة، وقرأ الجمهور «بعادٍ وإرمٍ» فصرفوا «عاداً» على إرادة الحي ونعت ب ‏{‏إرم‏}‏ بكسر الهمزة على أنها القبيلة بعينها، ويؤيد هذا قول اليهود للعرب‏:‏ سيخرج فينا نبي نتبعه نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فهذا يقتضي أنها قبيلة، وعلى هذه القراءة يتجه أن يكون ‏{‏إرم‏}‏ أباً لعاد أو جداً غلب اسمه على القبيل، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «بعادَ إرمٍ» بترك الصرف في «عاد» وإضافتها إلى ‏{‏إرم‏}‏، وهذا يتجه على أن يكون ‏{‏إرم‏}‏ أباً أو جداً وعلى أن تكون مدينة، وقرأ الضحاك «بعادَ أرَمَ» بفتح الدال والهمزة من «أرَمَ» وفتح الراء والميم على ترك الصرف في «عاد» والإضافة، وقرأ ابن عباس والضحاك «بعاد إرمّ» بشد الميم على الفعل الماضي بمعنى بلى وصار رميماً، يقال ارمّ العظم وأرم وأرمه الله تعدية رم بالهمزة، وقرأ ابن عباس أيضاً‏:‏ «ارم ذاتَ» بالنصب في التاء على إيقاع الإرمام عليها، أي أبلاها ربك وجعلها رميماً، وقرأ ابن الزبير‏:‏ «أرِم ذات العماد» بفتح الهمزة وكسر الراء، وهي لغة في المدينة، وقرأ الضحاك بن مزاحم «أرْم» بسكون الراء وفتح الهمزة وهو تخفيف في «ارم» كفخذة وفخذ، واختلف الناس في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذات العماد‏}‏ فمن قال ‏{‏إرم‏}‏ مدينة، قال العماد أعمدة الحجارة التي بنيت بها، وقيل القصور العالية والأبراج يقال لها عماد، ومن قال ‏{‏إرم‏}‏ قبيلة قال ‏{‏العماد‏}‏ إما أعمدة بنيانهم وإما أعمدة بيوتهم التي يرحلون بها لأنهم كانوا أهل عمود ينتجعون البلاد، قاله مقاتل وجماعة‏.‏

وقال ابن عباس‏:‏ هي كناية عن طول أبدانهم، وقرأ الجمهور‏:‏ «يُخلَق» بضم الياء وفتح اللام «مثلُها» رفعاً، وقرأ ابن الزبير «يَخلُق» بفتح الياء وضم اللام «ومثلَها» نصباً، وذكر أبو عمرو الداني عنه أنه قرأ «نخلق» بالنون وضم اللام «مثلَها» نصباً، وذكر التي قبل هذه عن عكرمة، والضمير في ‏{‏مثلها‏}‏ يعود إما على المدينة وإما على القبيلة، وقرأ يحيى بن وثاب «وثموداً» بتنوين الدال، و‏{‏جابوا الصخر‏}‏ معناه خرقوه ونحتوه، وكانوا في أوديتهم قد نحتوا بيوتهم في حجارة، و«الوادي» ما بين الجبلين وإن لم يكن فيه ماء، هذا قول كثير من المفسرين في معنى ‏{‏جابوا الصخر بالواد‏}‏ وقال الثعلبي‏:‏ يريد بوادي القرى، وقال قوم‏:‏ المعنى جابوا واديهم وجلبوا ماءهم في صخر شقوه، وهذا فعل ذوي القوة والآمال، وقرأ ابن كثير بالوادي «بياء، وقرأ أكثر السبعة» بالواد «ياء واختلف في ذلك نافع، وقد تقدم هذا، ‏{‏وفرعون‏}‏ هو فرعون موسى، واختلف الناس في أوتاده فقيل أبنيته العالية العظيمة، قاله محمد بن كعب، وقيل جنوده الذين بهم يثبت ملكه وقيل المراد أوتاد أخبية عساكره وذكرت لكثرتها ودلالتها على غزواته وطوفه في البلاد، قاله ابن عباس ومنه قول الأسود بن يعفر‏:‏

في ظل ملك ثابت الأوتاد *** وقال قتادة‏:‏ كان له أوتاد يلعب عليها الرجال بين يديه وهو مشرف عليهم، وقال مجاهد‏:‏ كان يوتد الناس بأوتاد الحديد يقتلهم بذلك يضربها في أبدانهم حتى تنفذ إلى الأرض، وقيل إنما فعل ذلك بزوجته آسية، وقيل إنما فعل بماشطة ابنته لأنها كانت آمنت بموسى، والطغيان تجاوز الحدود، والصب يستعمل في السوط لأنه يقتضي سرعة في النزول، ومنه قول الشاعر في المحدودين في الإفك‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 22‏]‏

‏{‏فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ‏(‏15‏)‏ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ‏(‏16‏)‏ كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ‏(‏17‏)‏ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ‏(‏18‏)‏ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا ‏(‏19‏)‏ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ‏(‏20‏)‏ كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ‏(‏21‏)‏ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ‏(‏22‏)‏‏}‏

ذكر الله تعالى في هذه الآية‏:‏ ما كانت قريش تقوله تستدل به على إكرام الله تعالى وإهانته لعبده، وذلك أنهم كانوا يرون أن من عنده الغنى والثروة والأولاد فهو المكرم، وبضده المهان، ومن حيث كان هذا المقطع غالباً على كثيرين من الكفار، جاء التوبيخ في هذه الآية لاسم الجنس، إذ يقع بعض المؤمنين في شيء من هذا المنزع، ومن ذلك حديث الأعراب الذين كانوا يقدمون المدينة على النبي صلى الله عليه وسلم، فمن نال خيراً قال هذا دين حسن، ومن ناله شر قال هذا دين سوء، و‏{‏ابتلاه‏}‏ معناه‏:‏ اختبره، و‏{‏نعمه‏}‏ معناه‏:‏ جعله ذا نعمة، وقرأ ابن كثير «أكرمني» بالياء في وصل ووقف وحذفها عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي في الوجهين‏:‏ وقرأ نافع بالياء في الوصل وحذفها في الوقف، وكذلك «أهانني»، وخير في الوجهين أبو عمرو، وقرأ جمهور الناس‏:‏ «فقدَر» بتخفيف الدال، بمعنى ضيق، وقرأ الحسن بخلاف وأبو جعفر وعيسى «قدّر» بمعنى‏:‏ جعله على قدر، وهما بمعنى واحد في معنى التضييق لأنه ضعف قدر مبالغة جعفر وعيسى «قدّر» بمعنى‏:‏ جعله على قدر، وهم بمعنى واحد في معنى التضييق لأنه ضعف قدر مبالغة لا تعدية، ويقتضي ذلك قول الإنسان ‏{‏أهانني‏}‏، لأن «قدر» معدي إنما معناه أعطاه ما يكفيه ولا إهانة مع ذلك، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏كلا‏}‏ ردّاً على قولهم ومعتقدهم، أي ليس إكرام الله تعالى وإهانته، في ذلك، وإنما ذلك ابتلاء فحق من ابتلي بالغنى أن يشكر ويطيع، ومن ابتلي بالفقر أن يشكر ويصبر، وأما إكرام الله تعالى فهو بالتقوى، وإهانته فبالمعصية، ثم أخبرهم بأعمالهم من أنهم لا يكرمون اليتيم وهو من بني آدم الذي فقد أباه وكان غير بالغ‏.‏ ومن البهائم ما فقد أمه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «أحَبُّ البيوت إلى الله، بيت فيه يتيم مكرم»، وقرأ ابن كثير وابن عامر «يحضون» بمعنى‏:‏ يحض بعضهم بعضاً أو تحضون أنفسكم، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي «تحاضون» بفتح التاء بعنى تتحاضون، أي يحض قوم قوماً، وقرأ أبو عمرو و«يحضون» بياء من تحت مفتوحة وبغير ألف، وقرأ عبد الله بن المبار‏:‏ «تُحاضون» بضم التاء على وزن تقاتلون، أي أنفسكم أي بعضكم بعضاً ورواها الشيرزي عن الكسائي، وقد يجيء فاعلت بمعنى فعلت وهذا منه، وإلى هذا ذهب أبو علي وأنشد‏:‏

تحاسنت به الوشى *** قرات الرياح وخوزها

أي حسنت وأنشد أيضاً‏:‏ ‏[‏الرجز‏]‏

إذا تخازرت وما بي من خزر *** ويحتمل أن تكون مفاعلة، ويتحه ذلك على زحف ما فتأمله، وقرأ الأعمش «تتحاضون» بتاءين، و‏{‏طعام‏}‏ في هذه الآية بمعنى إطعام، وقال قوم أراد نفس طعامه الذي يأكل، ففي الكلام حذف تقديره على بدل ‏{‏طعام المسكين‏}‏، وقد تقدم القول في ‏(‏سورة براءة‏)‏ في المسكين والفقير بمعنى يغني عن إعادته، وعدد عليهم جدهم في أكل التراث لأنهم لا يورثون النساء ولا صغار الأولاد إنما كان يأخذ المال من يقاتل ويحمي الحوزة، و«اللّم»‏:‏ الجمع واللف‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏23- 30‏]‏

‏{‏وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ‏(‏23‏)‏ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ‏(‏24‏)‏ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ‏(‏25‏)‏ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ‏(‏26‏)‏ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ‏(‏27‏)‏ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ‏(‏28‏)‏ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ‏(‏29‏)‏ وَادْخُلِي جَنَّتِي ‏(‏30‏)‏‏}‏

روي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجيء يومئذ بجهنم‏}‏ أنها تساق إلى الحشر بسبعين ألف زمام، يمسك كل زمام سبعون ألف ملك فيخرج منها عنق فينتقي الجبابرة من الكفار في حديث طويل مختلف الألفاظ، و«جهنم» هنا، هي النار بجملتها، وروي أنه لما نزلت ‏{‏وجيء يومئذ بجهنم‏}‏ تغير لون النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يتذكر الإنسان‏}‏ معناه‏:‏ يتذكر عصيانه وطغيانه، وينظر ما فاته من العمل الصالح، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وأنى له الذكرى‏}‏ ثم ذكر عنه أنه يقول‏:‏ ‏{‏يا ليتني قدمت لحياتي‏}‏، واختلف في معنى قوله‏:‏ ‏{‏لحياتي‏}‏ فقال جمهور المتأولين معناه‏:‏ ‏{‏لحياتي‏}‏ الباقية يريد في الآخرة، وقال قوم من المتأولين‏:‏ المعنى ‏{‏لحياتي‏}‏ في قبري عند بعثي الذي كنت أكذب به وأعتقد أني لن أعود حياً، وقال آخرون‏:‏ ‏{‏لحياتي‏}‏ هنا مجاز، أي ‏{‏ليتني قدمت‏}‏ عملاً صالحاً لأنعم به اليوم وأحيا حياة طيبة، فهذا كما يقول الإنسان أحييني في هذا الأمر، وقال بعض المتأولين لوقت أو لمدة حياتي الماضية في الدنيا، وهذا كما تقول جئت لطلوع الشمس ولتاريخ كذا ونحوه، وقرأ جمهور القراء وعلي بن أبي طالب وابن عباس وأبو عبد الرحمن «يعذِّب» و«يوثِق» بكسر الذال الثاء، وعلى هذه القراءة، فالضمير عائد في عذابه ووثاقه لله تعالى، والمصدر مضاف إلى الفاعل ولذلك معنيان‏:‏ أحدهما أن الله تعالى لا يكل عذاب الكفار يومئذ إلى أحد، والآخر أن عذابه من الشدة في حيز لم يعذب قط أحد بمثله، ويحتمل أن يكون الضمير للكافر والمصدر مضاف إلى المفعول، وقرأ الكسائي وابن سيرين وابن أبي إسحاق وسوار القاضي «يعذَّب» و«يوثَق» بفتح الذال والثاء، ورويت كثيراً عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالضميران على هذا للكافر الذي هو بمنزلة جنسه كله والمصدر مضاف إلى المفعول ووضع عذاب موضع تعذيب كما قال‏:‏ ‏[‏القرطبي‏]‏‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

وبعض عطائك المائة الرتاعا *** ويحتمل أن يكون الضميران في هذه القراءة لله تعالى، كأنه قال‏:‏ لا يعذب أحد قط في الدنيا عذاب الله للكفار، فالمصدر مضاف إلى الفاعل، وفي هذا التأويل تحامل، وقرأ الخليل بن أحمد «وِثاقه» بكسر الواو، ولما فرغ ذكر هؤلاء المعذبين عقب تعالى بذكر نفوس المؤمنين وحالهم فقال‏:‏ ‏{‏يا أيتها النفس المطمئنة‏}‏ الآية، و‏{‏المطمئنة‏}‏ معناه‏:‏ الموقنة غاية اليقين، ألا ترى أن إبراهيم عليه السلام قال‏:‏ ‏{‏ولكن ليطمئن قلبي‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 260‏]‏، فهي درجة زائدة على الإيمان، وهي أن لا يبقى على النفس في يقينها مطلب يحركها إلى تحصيله، واختلف الناس في هذا النداء متى يقع فقال ابن زيد وغيره‏:‏ هو عند خروج نفس المؤمن من جسده في الدنيا، وروي أن أبا بكر الصديق سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له‏:‏

سورة البلد

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 10‏]‏

‏{‏لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ‏(‏1‏)‏ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ‏(‏2‏)‏ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ‏(‏3‏)‏ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ‏(‏4‏)‏ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ‏(‏5‏)‏ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا ‏(‏6‏)‏ أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ‏(‏7‏)‏ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ‏(‏8‏)‏ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ‏(‏9‏)‏ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ‏(‏10‏)‏‏}‏

قرأ الحسن بن أبي الحسن «لأقسم» دون ألف، وقرأ الجمهور‏:‏ «لا أقسم»، واختلفوا فقال الزجاج ويغره‏:‏ «لا» صلة زائدة مؤكدة، واستأنف قوله ‏{‏أقسم‏}‏، وقال مجاهد ‏{‏لا‏}‏ رد للكلام متقدم للكفار، ثم استأنف قوله ‏{‏أقسم‏}‏، وقال بعض المتأولين ‏{‏لا‏}‏ نفي للقسم بالبلد، أخبر الله تعالى أنه لا يقسم به، ولا خلاف بين المفسرين أن ‏{‏البلد‏}‏ المذكور هو مكة، واختلف في معنى قوله ‏{‏وأنت حل بهذا البلد‏}‏ فقال ابن عباس وجماعة‏:‏ معناه وأنت حلال بهذا البلد يحل لك فيه قتل من شئت، وكان هذا يوم فتح مكة، وعلى هذا يتركب قول من قال السورة مدنية نزلت عام الفتح، ويتركب على التأويل قول من قال‏:‏ ‏{‏لا‏}‏ نافية أي إن هذا البلد لا يقسم الله به، وقد جاء أهله بأعمال توجب إحلال حرمته، ويتجه أيضاً أن تكون ‏{‏لا‏}‏ غير نافية‏.‏ وقال بعض المتأولين‏:‏ ‏{‏وأنت حل بهذا البلد‏}‏ معناه‏:‏ حال ساكن بهذا البلد، وعلى هذا يجيء قول من قال هي مكية، والمعنى على إيجاب القسم بين وعلى نفيه أيضاً يتجه على معنى القسم ببلد أنت ساكنه على أذى هؤلاء القوم وكفرهم، وذكر الثعلبي عن شرحبيل بن سعد أن معنى ‏{‏وأنت حل‏}‏ أي قد جعلوك حلالاً مستحل الأذى والإخراج والقتل لك لو قدروا، وإعراب ‏{‏البلد‏}‏ عطف بيان، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ووالد وما ولد‏}‏ قسم مستأنف على قول من قال ‏{‏لا‏}‏ نافية، ومعطوف على قول من رأى ‏{‏لا‏}‏ غير نافية، واختلف الناس في معنى قوله‏:‏ ‏{‏ووالد وما ولد‏}‏، فقال مجاهد‏:‏ هو آدم وجميع ولده، وقال بعض رواة التفسير‏:‏ هو نوح وجميع ولده، وقال أبو عمران الجوني‏:‏ هو إبراهيم وجميع ولده، وقال ابن عباس ما معناه‏:‏ أن الوالد والولد هنا على العموم فهي أسماء جنس يدخل فيها جميع الحيوان، وقال ابن عباس وابن جبير وعكرمة‏:‏ ‏{‏ووالد‏}‏ معناه‏:‏ كل من ولد وأنسل، وقوله ‏{‏وما ولد‏}‏ «لم يبق تحته إلا العاقر الذي ليس بوالد البتة، والقسم واقع على قوله‏:‏ ‏{‏لقد خلقنا الإنسان في كبد‏}‏، واختلف الناس في» الكَبد «فقال جمهور الناس‏:‏ ‏{‏الإنسان‏}‏ اسم الجنس كله، و» الكبد «المشقة والمكابدة، أي يكابد أمر الدنيا والآخرة، ومن ذلك قول لبيد‏:‏ ‏[‏المنسرح‏]‏

يا عين هلا بكيت أربد إذ *** قمنا وقام الخصوم في كبد

وقول ذي الإصبع‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

لي ابن عم لو أن الناس في كبد *** لظل محتجراً بالنبل يرميني

وبالمشقة في أنواع أحوال الإنسان فسره الجمهور، وقال الحسن‏:‏ لم يخلق الله خلقاً يكابد ما يكابد ابن آدم، وقال ابن عباس وعبد الله بن شداد وأبو صالح ومجاهد ‏{‏في كبد‏}‏ معناه‏:‏ منتصف القامة واقفاً، وقال ابن زيد‏:‏ ‏{‏الإنسان‏}‏‏:‏ آدم عليه السلام، و‏{‏في كبد‏}‏ معناه‏:‏ في السماء سماها كبداً، وهذان قولان قد ضعفا والقول الأول هو الصحيح، وروي أن سبب الآية وما بعدها هو أبو الأشدين رجل من قريش شديد القوة، اسمه أسيد بن كلدة الجمحي، كان يحسب أن أحداً لا يقدر عليه، ويقال بل نزلت في عمرو بن ود، ذكره النقاش، وهو الذي اقتحم الخندق بالمدينة وقتله علي بن أبي طالب خلف الخندق، وقال مقاتل‏:‏ نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل، أذنب فاستفتى النبي صلى الله عليه وسلم فأمره بالكفارة فقال‏:‏ لقد ‏{‏أهلكت مالاً‏}‏ في الكفارات والنفقات مذ تبعت محمداً، وكان كل واحد منهم قد ادعى أنه أنفق مالاً كثيراً على إفساد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أو في الكفارات على ما تقدم، فوقف القرآن على جهة التوبيخ للمذكور، وعلى جهة التوبيخ لاسم الجنس كله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 20‏]‏

‏{‏فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ‏(‏11‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ‏(‏12‏)‏ فَكُّ رَقَبَةٍ ‏(‏13‏)‏ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ‏(‏14‏)‏ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ‏(‏15‏)‏ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ‏(‏16‏)‏ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ‏(‏17‏)‏ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ‏(‏18‏)‏ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ‏(‏19‏)‏ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ‏(‏20‏)‏‏}‏

في هذه الآية على عرف كلام العرب، استعارة لهذا العمل الشاق على النفس من حيث هو بذل مال تشبيه بعقبة الجبل، وهي ما صعب منه وكان صعوداً، و‏{‏اقتحم‏}‏ معناه‏:‏ دخلها وجاوزها بسرعة وضغط وشدة، وأما المفسرون فرأوا أن ‏{‏العقبة‏}‏ يراد بها جبل في جهنم، لا ينجي منه إلا هذه الأعمال ونحوها، قاله ابن عباس وقتادة، وقال الحسن‏:‏ ‏{‏العقبة‏}‏ جهنم، قال هو وقتادة فاقتحموها بطاعة الله، وفي الحديث‏:‏ «إن اقتحامها للمؤمن كما بين صلاة العصر إلى العشاء» واختلف الناس في قوله ‏{‏فلا‏}‏ فقال جمهور المتأولين‏:‏ هو تحضيض بمعنى «فألا»، وقال آخرون وهو دعاء بمعنى أنه ممن يستحق أن يدعى عليه بأن لا يفعل خيراً، وقيل هي نفي، أي «فما اقتحم»، وقال أبو عبيدة والزجاج وهذا نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا صدق ولا صلى‏}‏ ‏[‏القيامة‏:‏ 31‏]‏ فهو نفي محض كأنه قال‏:‏ وهبنا له الجوارح ودللناه على السبيل فما فعل خيراً، ثم عظم الله تعالى أمر العقبة في النفوس بقوله‏:‏ ‏{‏وما أدراك ما العقبة‏}‏‏؟‏ ثم فسر اقتحام العقبة بقوله ‏{‏فك رقبة‏}‏ وذلك أن التقدير وما أدراك ما اقتحام العقبة‏؟‏ هذا على قراءة من قرأ «فكُّ رقبة» بالرفع على المصدر، وأما من قرأ «فكّ» على الفعل الماضي ونصب الرقبة، فليس يحتاج أن يقدر ‏{‏وما أدراك‏}‏ ما اقتحام، بل يكون التعظيم للعقبة نفسها، ويجيء «فكّ» بدلاً من ‏{‏اقتحم‏}‏ ومبيناً‏.‏ وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة «فك رقبة أو إطعام» وقرأ أبو عمرو «فك رقبةً» بالنصب «أو أطعم»، وقرأ بعض التابعين «فكِّ رقبة» بالخفض، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو أيضاً والكسائي «فكِّ رقبة» بالنصب «أو إطعام»‏.‏ وترتيب هذه القراءات ووجوهها بينة، وفك الرقبة معناه‏:‏ بالعتق من ربقة الأسر أو الرق، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من أعتق نسمة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار»‏.‏ وقال أعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ دلني على عمل أنجو به، فقال‏:‏ «لئن قصرت القول لقد عرضت المسألة فك رقبة، وأعتق النسمة»، فقال الأعرابي‏:‏ أليس هما واحداً‏؟‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها»‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وكذلك فك الأسير إن شاء الله، وفداؤه أن ينفرد الفادي به، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي‏:‏ «وأبق على ذي الرحم الظالم، فإن لم تطق هذا كله، فكف لسانك إلا من خير»

سورة الشمس

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 15‏]‏

‏{‏وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ‏(‏1‏)‏ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ‏(‏2‏)‏ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ‏(‏3‏)‏ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ‏(‏4‏)‏ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ‏(‏5‏)‏ وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ‏(‏6‏)‏ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ‏(‏7‏)‏ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ‏(‏8‏)‏ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ‏(‏9‏)‏ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ‏(‏10‏)‏ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ‏(‏11‏)‏ إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ‏(‏12‏)‏ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا ‏(‏13‏)‏ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا ‏(‏14‏)‏ وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا ‏(‏15‏)‏‏}‏

أقسم الله تعالى ب ‏{‏الشمس‏}‏ إما على التنبيه منها وإما على تقدير ورب الشمس، و«الضُّحى» بضم الضاد والقصر‏:‏ ارتفاع الضوء وكماله، وبهذا فسر مجاهد‏.‏ وقال قتادة‏:‏ هو النهار كله، وقال مقاتل‏:‏ ‏{‏ضحاها‏}‏ حرها كقوله تعالى في سورة ‏(‏طه‏)‏ ‏{‏ولا تضحى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 119‏]‏، و«الضَّحاء» بفتح الضاد والمد ما فوق ذلك إلى الزوال، ‏{‏والقمر‏}‏ يتلو الشمس من أول الشهر إلى نصفه في الغروب تغرب هي ثم يغرب هو ويتلوها في النصف الآخر بنحو وآخر وهي أن تغرب هي فيطلع هو، وقال الحسن بن أبي الحسن‏:‏ ‏{‏تلاها‏}‏ معناه‏:‏ تبعها دأباً في كل وقت لأنه يستضيء منه فهو يتلوها لذلك‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ فهذا اتباع لا يختص بنسف أول من الشهر ولا بآخره، وقاله الفراء أيضاً، وقال الزجاج وغيره‏:‏ ‏{‏تلاها‏}‏‏:‏ معناه امتلأ واستدار، فكان لها تابعاً في المنزلة والضياء والقدر، لأنه ليس في الكواكب شيء يتلو الشمس في هذا المعنى غير القمر، قال قتادة‏:‏ وإنما ذلك ليلة البدر تغيب هي فيطلع هو‏.‏

‏{‏والنهار‏}‏ ظاهر هذه السورة والتي بعدها أنه من طلوع الشمس، وكذلك قال الزجاج في كتاب «الأنواء» وغيره‏:‏ واليوم من طلوع الفجر، ولا يختلف أن نهايتهما مغيب الشمس، والضمير في ‏{‏جلاها‏}‏ يحتمل أن يعود على ‏{‏الشمس‏}‏ ويحتمل أن يعود على الأرض أو على الظلمة وإن كان لم يجر له ذكر فالمعنى يقتضيه، قاله الزجاج‏.‏ و«جلى» معناه كشف وضوى، والفاعل بجلَّى على هذا التأويلات ‏{‏النهار‏}‏، ويحتمل أن يكون الفاعل الله تعالى كأنه قال‏:‏ والنهار إذا جلى الله الشمس، فأقسم بالنهار في أكمل حالاته، ويغشى معناه‏:‏ يغطي‏:‏ والضمير للشمس على تجوز في المعنى أو للأرض، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما بناها‏}‏ وكل ما بعده من نظائره في السورة، يحتمل أن يكون ما فيه بمعنى الذي قال أبو عبيدة‏:‏ أي تعالى، ويحتمل أن تكون ‏{‏ما‏}‏ في جميع ذلك مصدرية، قال قتادة والمبرد والزجاج كأنه قال والسماء وبنيانها، و«طحا» بمعنى «دحا» و«طحا» أيضاً في اللغة بمعنى ذهب كل مذهب، ومنه قول علقمة بن عبدة‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

طحا بك قلب في الحسان وطروب *** بعيد الشباب عمر حان مشيب

والنفس التي أقسم بها، اسم الجنس، وتسويتها إكمال عقلها ونظرها، ولذلك ربط الكلام بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فألهمها‏}‏ الآية، فالفاء تعطي أن التسوية هي هذا الإلهام، ومعنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فجورها وتقواها‏}‏ أي عرفها طرق ذلك وجعل لها قوة يصح معها اكتساب الفجور أو اكتساب التقوى، وجواب القسم في قوله ‏{‏قد أفلح‏}‏، التقدير‏:‏ لقد أفلح، والفاعل ب «زكى» يحتمل أن يكون الله تعالى، وقاله ابن عباس وغيره كأنه قال‏:‏ قد أفلحت الفرقة أو الطائفة التي زكاها الله تعالى، و‏{‏من‏}‏‏:‏ تقع على جمع وإفراد، ويحتمل أن يكون الفاعل ب «زكى» الإنسان، وعليه تقع ‏{‏من‏}‏ وقاله الحسن وغيره، كأنه قال‏:‏ ‏{‏قد أفلح‏}‏ من زكى نفسه أي اكتسب الزكاء الذي قد خلقه الله، و‏{‏زكاها‏}‏ معناه‏:‏ طهرها ونماها بالخيرات، و‏{‏دساها‏}‏ معناه‏:‏ أخفاها وحقرها أي وصغر قدرها بالمعاصي والبخل بما يجب، يقال دسا يدسو ودسّى بشد السين يدسي وأصله دسس، ومنه قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

ودسست عمراً في التراب فأصبحت *** حلائله يبكين للفقد ضعفا

ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال‏:‏ «اللهم آت نفسي تقواها وزكّها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها» هذا الحديث يقوي أن المزكي هو الله تعالى، وقال ثعلب معنى الآية ‏{‏وقد خاب من دساها‏}‏ في أهل الخير بالرياء وليس منهم في حقيقته، ولما ذكر تعالى خيبة من دسى نفسه، ذكر فرقة فعلت ذلك يعتبر بهم وينتهى عن مثل فعلهم، و«الطغوى» مصدر، وقرأ الحسن وحماد بن سليمان «بطُغواها» بضم الطاء مصدر كالعقبى والرجعى، وقال ابن عباس‏:‏ «الطغوى» هنا العذاب كذبوا به حتى نزل بهم، ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 5‏]‏، وقال جمهور المتأولين الباء سببية، والمعنى كذبت ثمود بنبيها بسبب طغيانها وكفرها، و‏{‏انبعث‏}‏ عبارة عن خروجه إلى عقر الناقة بنشاط وحرص و‏{‏أشقاها‏}‏ هو قد أربى سالف وهو أحد التسعة الرهط المفسدين، ويحتمل أن يقع ‏{‏أشقاها‏}‏ على جماعة حاولت العقر، ويروى أنه لم يفعل فعله بالناقة حتى مالأه عليه جميع الحي، فلذلك قال تعالى‏:‏ ‏{‏فعقروها‏}‏ لكونهم متفقين على ذلك ورسول الله صالح عليه السلام، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ناقة الله وسقياها‏}‏ نصب بفعل مضمر تقديره احفظوا أو ذروا أو احذروا على معنى‏:‏ احذروا الإخلال بحق ذلك، وقد تقدم أمر الناقة والسقيا في غير هذه السورة بما أغنى عن إعادتها، وقدم تعالى التكذيب على العقر لأنه كان سبب العقر، ويروى أنهم كانوا قد أسلموا قبل ذلك وتابعوا صالحاً مدة ثم كذبوا وعثروا، والجمهور من المفسرين على أنهم كانوا على كفرهم، ‏{‏دمدم‏}‏ معناه‏:‏ أنزل العقاب مقلقاً لهم مكرراً ذلك وهي الدمدمة، وفي بعض المصاحف «فدهدم» وهي قراءة ابن الزبير بالهاء بين الدالين، وفي بعضهم «فدمر»، وفي مصحف ابن مسعود «فدماها عليهم» وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بذنبهم‏}‏ أي بسبب ذنبهم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فسواها‏}‏، معناه‏:‏ فسوى القبيلة في الهلاك لم ينج منهم أحد، وقرأ نافع وابن عامر والأعرج وأهل الحجاز وأبي بن كعب‏:‏ «فلا يخاف» بالفاء وكذلك في مصاحف أهل المدينة والشام، وقرأ الباقون «ولا» بالواو وكذلك في مصاحفهم، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه «ولم يخف عقباها»، والفاعل ب ‏{‏يخاف‏}‏ على قراءة من قرأ بالفاء يحتمل أن يكون الله تعالى، والمعنى فلا درك على الله في فعله بهم لا يسأل عما يفعل، وهذا قول ابن عباس والحسن، وفي هذا المعنى احتقار للقوم وتعفية لأثرهم، ويحتمل أن يكون صالحاً عليه السلام، أي لا يخاف عقبى هذه الفعلة بهم إذا كان قد أنذرهم وحذرهم، ومن قرأ «ولا يخاف» بالواو فيحتمل الوجهين اللذين ذكرنا، ويحتمل أن يكون الفاعل ب ‏{‏يخاف‏}‏ ‏{‏أشقاها‏}‏ المنبعث، قاله الزجاج وأبو علي، وهو قول السدي والضحاك ومقاتل، وتكون الواو واو الحال كأنه قال انبعث لعقرها وهو لا يخاف عقبى فعله لكفره وطغيانه، والعقبى‏:‏ جزاء المسيء وخاتمته وما يجيء من الأمور بعقبه، واختلف القراء في ألفات هذه السورة والتي بعدها ففتحها ابن كثير وعاصم وابن عامر، وقرأ الحسائي ذلك كله بالإضجاع، وقرأ نافع ذلك كله بين الفتح والإمالة، وقرأ حمزة «ضحاها» مكسورة و«تليها وضحاها» مفتوحتين وكسر سائر ذلك، واختلف عن أبي عمرو فمرة كسر الجميع ومرة كقراءة نافع، قال الزجاج سمى الناس الإمالة كسراً وليس بكسر صحيح، والخليل وأبو عمرو يقولان إمالة‏.‏

سورة الليل

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 21‏]‏

‏{‏وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ‏(‏1‏)‏ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ‏(‏2‏)‏ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ‏(‏3‏)‏ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ‏(‏4‏)‏ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ‏(‏5‏)‏ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ‏(‏6‏)‏ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ‏(‏7‏)‏ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ‏(‏8‏)‏ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ‏(‏9‏)‏ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ‏(‏10‏)‏ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ‏(‏11‏)‏ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ‏(‏12‏)‏ وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى ‏(‏13‏)‏ فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى ‏(‏14‏)‏ لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى ‏(‏15‏)‏ الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ‏(‏16‏)‏ وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ‏(‏17‏)‏ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ‏(‏18‏)‏ وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى ‏(‏19‏)‏ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى ‏(‏20‏)‏ وَلَسَوْفَ يَرْضَى ‏(‏21‏)‏‏}‏

أقسم الله ب ‏{‏الليل إذا يغشى‏}‏ الأرض وجميع ما فيها وب ‏{‏النهار إذا تجلى‏}‏، أي ظهر وضوى الآفاق، ومنه قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

تجلى السرى من وجهه عن صحيفة *** على السير مشراق كريم شجونها

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما خلق الذكر والأنثى‏}‏ يحتمل أن تكون بمعنى الذي كما قالت العرب في سبحان ما سبح الرعد بحمده، وقال أبو عمرو وأهل مكة يقولون للرعد سبحان ما سبحت له، ويحتمل أن تكون ‏{‏ما‏}‏ مصدرية، وهو مذهب الزجاج‏.‏ وقرأ جمهور الصحابة «وما خلق الذكر»، وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وعبد الله بن مسعود وأبو الدرداء وسمعها من النبي صلى الله عليه وسلم وعلقمة وأصحاب عبد الله‏:‏ «والذكر والأنثى» وسقط عندهم ‏{‏وما خلق‏}‏ وذكر ثعلب أن من السلف من قرأ «وما خلق الذكرِ والأنثى» بخفض «الذكرِ» على البدل من ‏{‏ما‏}‏ على أن التقدير وما خلق الله وقراءة علي ومن ذكر تشهد لهذه، وقال الحسن‏:‏ المراد هنا ب ‏{‏الذكر والأنثى‏}‏ آدم وحواء، وقال غيره عام، و«السعي» العمل، فأخبر تعالى مقسماً أن أعمال العباد شتى، أي مفترقة جداً بعضها في رضى الله وبعضها في سخطه، ثم قسم تعالى الساعين فذكر أن من أعطى وظاهر ذلك إعطاء المال، وهي أيضاً تتناول إعطاء الحق في كل شيء، قول وفعل، وكذلك البخل المذكور بعد أن يكون بالإيمان وغيره من الأقوال التي حق الشريعة أن لا يبخل بها ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق، وذلك أنه كان يعتق ضعفة العبيد الذين أسلموا وكان ينفق في رضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ماله، وكان الكفار بضد ذلك، وهذا قول من قال السورة كلها مكية، قال عبد الله بن أبي أوفى‏:‏ نزلت هذه السورة في أبي بكر الصديق وأبي سفيان بن حرب، وقال مقاتل‏:‏ مر أبو بكر على أبي سفيان وهو يعذب بلالاً فاشتراه منه، وقال السدي‏:‏ نزلت هذه الآية بسبب أبي الدحداح الأنصاري، وذلك أن نخلة لبعض المنافقين كانت مطلة على دار امرأة من المسلمين لها أيتام فكانت التمر تسقط عليهم فيأكلونه فمنعهم المنافق من ذلك، واشتد عليهم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «بعنيها بنخلة في الجنة»، فقال‏:‏ لا أفعل، فبلغ ذلك أبا الدحداح فذهب إليه واشترى منه النخلة بحائط له، وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله‏:‏ أنا أشتري النخلة في الجنة بهذه، ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر على الحائط الذي أعطى أبو الدحداح وقد تعلقت أقناؤه فيقول‏:‏

«وكم قنو معلق لأبي الدحداح في الجنة»، وفي البخاري أن هذا اللفظ كان رسول الله صلى الله عيله وسلم يقوله في الأقناء التي كان أبو الدحداح يعلقها في المسجد صدقة، وهذا كله قول من يقول بعض السور مدني، واختلف الناس في ‏{‏الحسنى‏}‏ ما هي في هذه السورة، فقال أبو عبد الرحمن السلمي وغيره‏:‏ هي لا إله إلا الله، وقال ابن عباس وعكرمة وجماعة‏:‏ هي الخلف الذي وعد الله تعالى به، وذلك نص في حديث الملكين إذ يقول أحدهما‏:‏ اللهم اعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر‏:‏ اللهم أعط ممسكاً تلفاً، وقال مجاهد والحسن وجماعة‏:‏ ‏{‏الحسنى‏}‏‏:‏ الجنة، وقال كثير من المفسرين ‏{‏الحسنى‏}‏‏:‏ الأجر والثواب مجملاً، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فسنيسره لليسرى‏}‏ ومعناه‏:‏ سيظهر تيسيرنا إياه يتدرج فيه من أعمال الخير وختم بتيسير قد كان في علم الله أولاً، و«اليسرى» الحال الحسنة المرضية في الدنيا والآخرة، و«العسرى»‏:‏ الحال السيئة في الدنيا والآخرة ولا بد من جعل بخل في المال خاصة جعل استغنى في المال أيضاً لتعظم المذمة، ومن جعل البخل عاماً في جميع ما ينبغي أن يبذل من قول وفعل قال استغنى عن الله ورحمته بزعمه، ثم وقف تعالى على موضع غناء ماله عنه وقت ترديه، وهذا يدل على أن الإعطاء والبخل المذكورين إنما هما ماله عنه وقت ترديه، وهذا يدل على أن الإعطاء والبخل المذكورين إنما هما في المال، واختلف الناس في معنى ‏{‏تردى‏}‏‏:‏ فقال قتادة وأبو صالح معناه ‏{‏تردى‏}‏ في جهنم، أي سقط من حافاتها، وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏تردى‏}‏ معناه هلك من الردى، وقال قوم معناه ‏{‏تردى‏}‏ بأكفانه من الرداء، ومنه قول مالك بن الربيب‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

وخطّا بأطراف الأسنّة مضجعي *** وردّا على عينيّ فضل ردائيا

ومنه قول الآخر‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

نصيبك مما تجمع الدهر كله *** رداءان تلوى فيهما وحنوط

ثم أخبر تعالى أن عليه هدى الناس جميعاً، أي تعريفهم بالسبل كلها ومنحهم الإدراك، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وعلى الله قصد السبيل‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 9‏]‏ ثم كل أحد بعد يتكسب ما قدر له، وليست هذه الهداية بالإرشاد إلى الإيمان، ولو كان كذلك لم يوجد كافر‏.‏ ثم أخبر تعالى أن «الآخرة والأولى» أي الدارين‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأنذرتكم‏}‏ إما مخاطبة وإما على معنى قل لهم يا محمد، وقرأ جمهور السبعة «تلظى» بتخفيف التاء، وقرأ البزي عن ابن كثير بشد التاء وإدغام الراء فيها‏.‏ وقرأها كذلك عبيد بن عمير، وروي أيضاً عنه «تتلظى» بتاءين وكذلك قرأ ابن الزبير وطلحة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يصلاها إلا الأشقى‏}‏ أي ‏{‏لا يصلاها‏}‏ صلي خلود، ومن هنا ضلت المرجئة لأنها أخذت نفي الصلي مطلقاً في قليله وكثيره، و‏{‏الأشقى‏}‏ هنا، الكافر بدليل قوله الذي كذب، والعرب تجعل أفعل في موضع فاعل مبالغة كما قال طرفة‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏